من معنى كلمة (الله) فإن من معانيها الإله المعبود، وفي الحقيقة لا يستحق أن يكون إلهًا إلا من استحق أن يفرد بالألوهية ولم يشاركه فيها أحد؛ وهذا هو معنى توحيد الألوهية، ومن كان كذلك فلا شك أنه متصف بكل كمال مطلق لائق بالإله المعبود وحده وهذا هو حقيقة توحيد الأسماء والصفات؛ ومن هو مستحق للعبادة دون كل ما سواه فلا شك أنه قادر على كل ما سواه وأن العالمين محتاجون إليه وأنهم قائمون به وأنه قيوم السماوات والأرض وهذا هو معنى توحيد الربوبية.
الفصل السادس
في بيان معنى قوله تعالى (رب العالمين)
كما أن قوله تعالى (الحمد لله) فيه إثبات أقسام التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ أو فيه - في الأقل - تمهيد لإثبات ذلك؛ فإن قوله تعالى (رب العالمين) فيه ذلك المعنى أيضًا؛ فـ (الحمد لله) إثبات لأقسام التوحيد الثلاثة من جهة المعرفة بصفات الخالق، و (رب العالمين) فيه إثبات لتلك الأقسام أيضًا ولكن من جهة المعرفة بصفات المخلوقين أي العالمين.
فلما كان كل فرد من أفراد العالمين مربوبًا أي مخلوقًا مدبرًا مقهورًا؛ والعالمون هم كل ما عدا الله تبارك وتعالى، فمعنى ذلك أن كل مخلوق هو في غاية الضرورة والفاقة إلى موجده ومنشئه ومدبر أمره ورازقه، وأن كل عاقل من المخلوقات يشعر لولا انطماس الفطرة وذهاب نور العقل بمثل هذه الفاقة ويشعر بضرورة تعظيم مولاه أقصى درجات التعظيم والخوف منه آخر درجات الخوف والحب له أشد الحب وذلك هو معنى العبادة أي توحيد العبودية؛ وقد غرس الله في فطرة الإنسان من شدة الشعور بضرورته إلى ربه وخالقه ومالكه ما يؤيد العقل الصريح المقتضي لذلك عند أدنى تأمل؛ ثم أرسل الله الرسل وأنزل الله الكتب للتذكير بذلك رحمة منه للطائعين وقطعًا منه لحجة المعاندين.