وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: بَلْ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ. وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَخَلْفَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ يُصَلُّونِ بِصَلَاتِهِ لَمْ يَامُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ. وَإِذَا سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ. كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ يُفْطِرُ إذَا خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ وَيَذْكُرُ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ إنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ فَأَفْطَرَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ} . وَأَمَّا الْيَوْمُ الثَّانِي: فَيُفْطِرُ فِيهِ بِلَا رَيْبٍ وَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ سَفَرِهِ يَوْمَيْنِ فِي مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَّةِ. وَأَمَّا إذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ فَفِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ لَكِنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ سَوَاءً أَمْسَكَ أَوْ لَمْ يُمْسِكْ.
والصحيح أنه لا يلزمه الإمساك , فإذا قدم مفطرا يعني قدم إلى بلده مفطرا فإنه يبقى على فطره , وكذلك لو طهرت المرأة الحائض في أثناء النهار فإنه لايلزمها أن تمسك لأنه لافائدة في هذا الإمساك , ولم يوجب الله على عباده عملا لا فائدة منه , وأما قولهم: إن الزمن محترم لأنه نهار رمضان , فنقول: لكن هذا الزمن في حق هذا الرجل أصبح غير محترم لأن الله أباح له أن يأكل ويشرب في أوله , ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه"من أكل أول النهار فليأكل آخره"وهذا في من أفطر لعذر , وأما من تعمد الفطر فإنه لايحل له أن يستمر فيه , وبهذا تبطل حيلة المحتالين الذين قالوا: إذا أردت أن تجامع امرأتك و يلومك الكفارة في نهار رمضان فكل تمرا أولا ثم جامع ثانيا من أجل أن يصادف أكلُك وأنت على زعمهم مفطر , فنقول: هو وإن أفطر لكنه حُكما يلزمه الإمساك.
فالصواب أن كل من كان مفطرا في أول النهار لعذر فإنه لايلزمه الإمساك , بشرط أن يكون هذا العذر وجود مانع , أما إذا كان أكله لعدم وجود الموجِب فهنا إذا وجِد الموجب وجب الإمساك ويثاب عليه , فيُفرَّق بين زوال المانع ووجود الموجِب , زوال المانع كما ذكرنا مسافر قدم مفطرا نقل هذا زال المانع في حقه يعني مانع الوجوب وهو السفر , حائض طهرت هذه أيضا زال المانع في حقها أي مانع الوجوب وهو الحيض.