وأما القول: فلهم في هذا المعنى أجمل العبارات وأصدق الألفاظ، التي كانوا ينصحون بها الأمّة في لزوم الأدب مع النصّ الشرعي توقيرًا وتعظيمًا، ومن ذلك قول ابن مسعود - رضي الله عنه:"إذا حدّثتُكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظنّوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه"، ومثله عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. ( [91] )
وكذلك قول أبي هريرة - رضي الله عنه - لرجل:"يا ابن أخي إذا حدّثتُك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا فلا تضرب له الأمثال". ( [92] )
حتى أفرد الإمام ابن ماجه بابًا في مقدّمة سننه ترجم له بقوله: باب تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتغليظ على من عارضه.
ومن هذا الباب في تربية الأمّة على تعظيم النص الشرعي وتوقيره صنيع الإمام الشافعي حينما ذكر حديثًا فقال له رجل: تأخذ به يا أبا عبد الله؟ فقال: أفي الكنيسة أنا؟ أو ترى على وسطي زنّارًا؟ نعم أقول به، وكلّ مابلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلتُ به.
وأمثلة هذا الباب في حياة السلف حافلة بدُررٍ من صادق البيان وناصعه، نصحًا للأمة وتربية لها على تعظيم النص الشرعي وإيلائه حقّّه من التوقير، فللّه درُّهم.
المبحث الثالث: نصرة النّص الشرعي
إن الذبّ عن النص الشرعي ونصرته ضدّ خصومه والمغرضين المناوئين يُعتبر لونًا من ألوان تعظيم النّص الشرعي الذي حفلت به حياة السلف الكرام.
وقد ظهرت في الأمّة مذاهب وأقاويل مبتدَعة، ليس لها من تعظيم النص الشرعي نصيب، فعمدت إلى إنكارها أو تعطيلها أو تحريفها، ولم يكن شأن السلف تجاه ذلك إلا نصرة النص الشرعي، ودفع صور العدوان عليه بأي وجهٍ كان، ولعلّ أبرز تلك المواقف ما يلي:
1 -بدعة المعتزلة القائلة بخلق القرآن، وهي مقولة مجردّة تمامًا من تعظيم كلام الله جلّ جلاله، ألقت بظلالها الآثمة على أمة الإسلام زمنًا ليس باليسير في الخلافة العبّاسية، فكان أئمة السلف في غاية تعظيمهم لكتاب الله الكريم وهم ينصرونه ويدفعون بطلان القول بخلقه، باذلين في ذلك أرواحهم وأبدانهم، وهم يصبرون على جَوْر الحكام وأذاهم وتعذيبهم، فكانت محنة تاريخية لأمة الإسلام، ابتُلي فيها أئمة السلف، فقُتل بعضهم وحُبس بعضهم وعُذّب بعضهم عذابًا شديدًا، فما لانت لهم قناة، ولا انكسر لهم صلب، ولا وهنت منهم عزيمة، كيف! والموقف موقف نصرة لكتاب الله العظيم وتعظيمه بإثبات قدسيته والصفة الإلهية له!!
وفي تفاصيل قصة الإمام أحمد وهو في لُجّة فتنتها: أنه لما أحاط به رؤوس المعتزلة في مجلس الخليفة يناظرونه ويحملونه على الباطل ويضغطون عليه بوجوب طاعة ولي الأمر وإجابته، وتارةً يغرونه بتخلية سبيله، بل بإجلاله ورفع