ولنتأمل هّا الموقف: قال ابن عمر: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لِمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ فقال: يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"! ( [79] )
2 -شدّة التمسّك بمقتضى النصّ ودوام الامتثال له مدى الحياة، في مجاهدة عظيمة تثبت تعظيمًا عظيمًا وتوقيرًا بالغًا للنصوص الشرعية وأحكامها.
فابن عمر رضي الله عنهما يروي حديث:"ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلةً أو ليلتين إلا ووصيّته عنده مكتوبة"، قال: فما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك إلا وعندي وصيتي! ( [80] )
وأبو هريرة - رضي الله عنه - يصف حاله فيقول:"أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث، لا أدعهنّ حتى أموت، صوم ثلاث أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام". ( [81] )
إنه لمن اليسير أن يأخذ المسلم نفسه بحزم ويلزمها حكمًا مّا في مسألة مّا، لكن ديمومة العمل عليه واستمرار حمل النفس عليه جهد عظيم وجهاد بالغ، عاشه السلف واستسهلوه حبًا للنّص الشرعي وتوقيرًا له.
3 -إيثار مقتضى النص وتقديمه على الهوى ومحابّ النفوس، وتلك منزلة سنيّة تفوق مجرّد الامتثال للنص والعمل به، لأنها تتجاوزه إلى تفضيله على الأهواء والرغبات.
ولا زلتُ أعجب من حديث ظُهير بن رافع - رضي الله عنه - قال: لقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمرٍ كان بنا رافقًا، قلتُ: ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حقٌ ... وذكر الحديث، ثم قال رافع بن خديج - رضي الله عنه: قلتُ سمعًا وطاعة ( [82] ) ، وفي لفظ قال رافع - رضي الله عنه: فجاءنا ذات يوم رجلٌ من عمومتي فقال: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمرٍ كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنُكريها على الثلث والربع والطعام المسمّى. ( [83] )
فكون الأنصار أصحاب زرع يقتضي أن تكون مصلحتهم في مزارعهم وما يؤجّرونها به، فلما يأتي النهي عن أمرٍ كان فيه نفع ومصلحة وحظ لهم، لا يتوانى عن السمع والطاعة، بل ويقول:"وطواعية الله ورسوله أنفع لنا"!!
الله أكبر! إنها والله شعار حياة، وإنه لبابٌ عظيمٌ من أبواب فضل السلف على الخلف، وإنّا لأشدّ ما نكون حاجة في حياتنا اليوم وفي مجتمعاتنا المسلمة إلى إحياء هذا المعنى السامي في الأفئدة، وأن نعيشه قناعةً وطمأنينة نفس وانشراح صدر، فنتنازل عن حظوظنا الشخصية ومطامعنا الدنيوية إذا عارضت النّص الشرعي؛ لتكون الهيمنة له والسلطة لحكمه والطاعة لأمره ونهيه!
4 -العمل بالنص وامتثاله وقت الصّعاب والشدائد والمضائق، فهذا من آكد أمارات الصدق في التعظيم للنص الشرعي، ألا يكون في وقت الرخاء دون الشدة، ولا في اليُسر دون العُسر، فإن مواطن الصعاب والشدائد أشق في التحمّل وأعظم في عناء العمل.