وقد ساهمت هذه القوى والمعسكرات السياسية في وجود نوع من حالة عدم الاستقرار في الحياة الدينية لدى عامة الناس.
كان المعتزلة من الحنفية يشكلون القوى الاسلامية الناشطة في خراسان عشية الاندفاع السلجوقي نحو مدن وقرى تلك البلاد، بخلاف الماتريدية في ما وراء النهر التي تميز نشاطها الديني - الثقافي بعدم التعصب، ونحن نعرف ان الاعتزال ازدهر من خلال المحنة المشهورة والتي عرفت بمحنة خلق القران اثناء فترة حكم الخليفة العباسي المأمون (198 - 218هـ / 813 - 833م) وتطورت خلال العصر العباسي الثاني، خاصة في الري ايام حكم البويهيين هناك برئاسة ركن الدولة، الا انها بدأت بالانحسار والضعف بعد ظهور وانتشار مذهب ابو الحسن الاشعري (ت331هـ / 942م) الذي كان معتزليًا ورجع عن مذهب الاعتزال الذي يدين به لصالح مذهبه الجديد، ومن خلال تلاميذه ومريديه نشر الاشعرية في خراسان، وحارب رفاقه المعتزلة حربًا شعواء مستخدمًا المنطق الفلسفي لدحظهم فكريًا وعقائديًا. وقد ادى ذلك الى انتشار المذهب الاشعري، وضعف الاعتزال سوى مناطق خاصة في نيسابور وبخارى.
كذلك من الظواهر الدينية في العصر السلجوقي رواج قوة الصوفية [1] في المجتمع الخراساني خاصة في نيسابور وما حولها،
(1) التصوف مذهب اسلامي روحي معروف، فكلمة الصوفية مشتقة اما من الصفاء، أي صفاء القلوب، او من صوفيا، ومعناها الحكمة اليونانية، او من الصوف وهو اللباس الذي كان يرتديه الصوفيون. واصل التصوف هو العكوف على العبادة، والانقطاع الى الله، والاعراض عن الدنيا، وفناء الجسد بالعبادة، وكان الكثير من المسلمين الذين لم يجدوا في علم الكلام ما يقنعهم قد تقربوا الى الله بواسطة الزهد والتقشف فسموا بالمتصوفة والملامتية، اما منشأ التصوف الاسلامي فهو في قراءة القران واستمرار تلاوته بصفة عامة في مجالس معينة غير مجالس الذكر برفع الصوت، وقد تحولت مجالس الذكر الى السماع. وتفرعت عن المتصوفة عدة مذاهب وفرق، ومن ابرز المتصوفة الاوائل ذو النون المصدري والجنيد والحلاج. انظر: القنوجي، ابجد العلوم، ج1، ص351؛ احمد توفيق عباد، التصوف الاسلامي تاريخه ومدارسه وطبيعته واثره (القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1390هـ / 1970م) ج2، صص147 - 170؛ عارف تامر، معجم الفرق، ص96.