ومن هذا المجرى الذي فتحه عمر انساقت إليه بقيّة الزوايا المبثوثة على الجبل الأخضر وبرقة البيضة بل وتونس والجزائر والسودان والتشاد وجبل أبي قبيس بمكة المكرمة . وما إن استوت هذه الإصلاحات بالزوايا على سوقها وعمرت بشباب يدرس ويغرس ويصنع في هذا الفجر البهيج والمبشر بالفتح حتى بزغ هنا بطرابلس فجر آخر موحش اظلمه دخان قنابل إيطاليا التي غزت مدينة طرابلس الغرب في شهر سبتمبر من عام 1911 ... وهنا تاقت نفس الشاب عمر المختار إلى الجهاد بعد أن امسك بخنجره الصغير لا غير واقسم ليجاهدّن في سبيل الله.
... النفوس الكبيرة
..قال ذلك عنوة أمام طلبته وما قصده منهم حصل . وقالوا بصوت واحد ( إحنا وراك يا عمر..) .. وسار عمر إلى درنة وفي طريقه الطويل من زاوية العبيد إلى درنة وهذا يكاد يكون طول الجبل كله أي 320 كيلومتر وعمر المختار يخطب بأعلى صوته وقوة نبراته في"النجوع"التي يمر بها . وتبع ذلك الصوت عدا طلبته المئات من راغبي الجهاد وساروا يواكبونه حتى وصل"ذور"وهذه اللفظة تعني المعسكر درنة وهناك التقوا في وادي أبي منصور وشلالاته بالسيد احمد الشريف وهو متمنطق بكامل عدته ومعه فرسان المدينة فانضم إليهم الوافدون وانضم الجميع إلى الجيش التركي والذي كان يقوده القائد التركي المؤمن"أنور باشا"وكان لسان حال مسيرتهم ينشد"أنا وأخي وابن عمّي على عدوّي..."
..بقي عمر المختار يقوم بالواجب في الجهاد وتفقد خطته الأساسية المكلف بها ألا وهي مشيخة الزاوية فتجده هنا كما تجده هناك يطارد ضيوف الشيطان .. وما أقسى هؤلاء الطليان الذين مهما كتب فيهم الكاتب وأبدع لا يأتي إلا بحبة من حمل نخلة.. ثم إن الاستعمار الإيطالي ذاق المرارة التي لم يكن يتصورها.