الصفحة 19 من 492

الثاني: أن الصحابة لم يردوا هذه الأخبار لأنها آحاد ، والدليل على ذلك أنهم قبلوها بعد التوقف فيها بخبر اثنين ، وذلك كما في قصة عمر مع أبي موسى لما شهد معه أبو سعيد الخدري قبل عمر خبرهما وهما اثنان ، وهذا آحاد وليس بمتواتر ، فخبر الاستئذان الذي قبله عمر لم يخرج عن حد الآحاد بشهادة أبي سعيد فدل ذلك على أن عمر لم يرد خبر أبي موسى لأنه آحاد إذ لو كان ذلك كذلك لما قبله إلا بعد أن يخبره مع أبي موسى عدد كثير يفيد خبرهم العلم القاطع ، فهذا يفيد أنه إنما رده لقصدٍ آخر ولذلك قال له بعد ذلك:"أما إني لم أتهمك ، ولكن خشيت أن يقول من شاء في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء"، أي حتى لا يتجرأ الناس بنسبة شيء للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وهم متأكدون التأكد التام منه . والمقصود أن خبر أبي موسى وأبي سعيد خبر آحاد وقد قبله عمر فهذا دليل لنا لا لكم ، وكذلك قصة المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة ، فإنه لما طلب أبو بكرٍ منه شاهدًا على ما قاله قام محمد بن مسلمة فشهد أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبله أبو بكر - رضي الله عنه - مع أن هذا الخبر حتى مع شهادة محمد بن مسلمة لازال خبر آحاد فدل ذلك على أن رد أبي بكر لخبر المغيرة ليس لأنه خبر آحاد وإنما من باب { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } وليعلم الناس أن التحديث بالسنة ليس أمرًا سهلًا ، حتى يسد الباب على من أراد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليكون منهجًا في التثبت ، فهذا أيضًا دليل لنا لا لكم .

وأما رد عائشة لخبر تعذيب الميت في قبره ببكاء أهله عليه فليس لأنه خبر آحاد وإنما لوجود معارضٍ له راجح وهو قوله تعالى: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، ولظنها أن صوابه هو ما قالته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت