يبطل. والله أعلم.
خامسًا: الإحليل:
قد يستدعي فحص المسالك البولية لشخص تقطير مواد سائلة أو ملونة عن طريق مجرى البول، تستقر في المثانة، لتوضح الصور التي تلتقطها الأشعة، وقد بحث الفقهاء من قديم حكم الصوم مع إدخال مثل هذه السوائل في الإحليل، فرأى البعض أن ذلك يفطر الصائم، ولو لم يصل إلى المثانة قياسًا على حكم الحقنة الشرجية، ورأى آخرون أن التقطير في الإحليل لا يفطر الصائم إلا إذا وصل إلى المثانة، لأنه أدخل شيئًا إلى جوفٍ، والرأي الغالب أن الصيام صحيح إذا قطر في إحليله، لأن هناك فرقًا بين الإحليل وبين فتحة الشرج، من حيث ضيق الأول واتساع الثانية.
والفتاوى الحديثة: بعضها يكتفي بعرض آراء الفقهاء، ومنها ما يفتي بعدم فساد الصوم"لأننا لا نجد علة واضحة نستطيع بواسطتها أن نحكم على فساده وبطلانه، ثم إن هذه من الأمور التي لم يرد فيها نص عن الشارع".
ونحن مع الرأي الأخير، ونرى علة واضحة لكون الصوم صحيحًا مع التقطير في الإحليل - حتى لو وصل إلى المثانة - وهي أن المثانة عضو طارد، عندما يمتلئ تتمدد ثنيات الطبقة المخاطية به، فتدفع الطبقة العضلية السوائل إلى الخارج.
سادسًا: الدبر:
تناول الفقهاء حكم إدخال شيء في دبر الصائم، وخاصة"الحقنة الشرجية"فعند جمهورهم أن استعمالها يفطر الصائم، لأنه أدخل مائعًا إلى جوفه باختياره، وهم يستندون إلى ما رواه البيهقي من أن"الفطر مما دخل"، وقياسًا على ما يصل إلى الدماع، مثل ما ورد في حديث لقيط بن صبرة المتقدم، ولأن ما في الحقنة من مائع دخل إلى الجوف من طريق معتادة، كما لو دخل من الفم أو الأنف، وذهب البعض إلى أن الحقنة الشرجية لا تفسد الصوم، وهو رأي ابن تيمية وابن حزم، لأنها لا تغذي بوجه من الوجوه، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات، كما أنها لا تصل إلى المعدة.
وعلى هذا الأساس تنوعت الفتاوى المعاصرة - فيما يتعلق بحكم استعمال الصائم الحقنة الشرجية - إلى ثلاث اتجاهات:
1 -يرى الاتجاه الأول أن الحقنة الشرجية تفسد الصوم، سواء كانت للتداوي أو للتغذي أو لغير ذلك، لأنها تدخل من منفذ طبيعي، وتصل إلى الجوف.
2 -ويرى اتجاه آخر أن الحقنة الشرجية لا تبطل الصوم مطلقًا، لأنها لا تصل إلى المعدة.
3 -أما الاتجاه الثالث فإنه يميز بين الحقنة الشرجية التي تدخل مادة غذائية في الجسم، ويعتبرها مفسدة للصوم، وبين الحقنة الشرجية التي تحمل مادة ملينة للأمعاء، كالماء والصابون أو الأشياح، وهذه لا تفسد الصوم، لأنها قد لا تمتص، والهدف منها إخراج الفضلات من الجسم.
ونشير إلى أمرين ينبغي الالتفات إليهما قبل الفتوى في موضوع الحقن الشرجية:
1 -أن امتصاص المواد المهضومة، يعني عملية مرور المواد الغذائية البسيطة التركيب الناتجة من الهضم، خلال بطانة القناة الهضمية إلى الدم، وليس للمعدة وظيفة تُذكر في عملية الامتصاص، إنما يحدث معظم الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، أما الأمعاء الغليظة فإنها تمتص الماء وقليلًا من الأملاح والغلوكوز، وقد تمتص الأدوية المختلفة.
2 -من الطرق المتبعة في تغذية المريض إعطاؤه مواد غذائية مهضومة جزئيًا عن طريق الشرج، ولو أن القدرة على امتصاصها تكون ضعيفة جدًا، لأن دور القولون الأساسي هو الإطراح وليس الامتصاص.
وبناءً على ذلك: فإننا نوصي الصائم بتأخير استعمال الحقنة الشرجية إلى ما بعد الإفطار - احتياطًا للعبادة - سواء كانت تحمل موادًا غذائية أو سوائل أخرى، ما دام العلم قد أثبت أن الأمعاء الغليظة لها قدرة على امتصاص السوائل، وأن الأمعاء الدقيقة هي التي يحدث فيها معظم الامتصاص، ولا نظن أن هناك ضرورة ملحة تقضي باستعمال الحقنة الشرجية أثناء فترة الصوم، لا سيما وأن كثيرًا من أساتذة الطب ينصحون بعدم إجراء الحقن الشرجية أثناء الصوم، لأنها تسبب ضعفًا في عضلات الأمعاء وغشائها، وتخرش القولون، وتنهك المريض وتستهلك قواه. والله أعلم.
ومما يلحق بالحقنة الشرجية، ما يستعمله البعض مما يسمى بالتحاميل أو اللبوس أو أقماع البواسير أو المراهم، ونحو ذلك مما يستعمل لتخفيف آلام البواسير، أو خفض درجة الحرارة، أو التقليل من مضاعفات الزكام والبرد، عن طريق إدخالها في دبر الصائم.
ويرى بعض المعاصرين أن ذلك يفسد الصوم، بينما يرى آخرون أن لا أثر لذلك على صحة الصوم.
ونحن نميل إلى القول بعدم تأثير هذه المواد على صحة الصوم، لأنها تمتص من مكانها بواسطة شبكة كبيرة من الأوردة الدموية للدم مباشرة، ولا تستغرق هذه العملية وقتًا طويلًا، فهي كامتصاص الجلد الخارجي للماء