ذهب البعض إلى أن كل عقلٍ، فيه المعرفة بالله، ولكنها مغمورة بتأثير عوامل كثيرة، قد لا يستطيع الإنسان إلا قليلًا، أن يعبر عنها. وذهب البعض إلى أن المعرفة بالله استدلالية، وأنها نتيجة للنظر العقلي في العالم الرحيب. والأوّلون هم في الغالب من الصوفية، الذين يعرفون بطبيعة الحال طريق النظر العقلي ويسلكونها، وإلى جانب ذلك يسلكون طريق التصفية الروحية، ليدركوا المعرفة بالله في أرواحهم إدراكًا ذوقيًّا، ويدركوا تدبير الله في كل شيء. والآخَرون هم أصحاب النظر والاستدلال، وهم جماعة المتكلمين وعلماء الكلام، والفلاسفة بوجه عام، وكل المؤمنين المشتغلين بالعلوم الطبيعية والكونية. عَلى أنه لا تناقُض بين الطريقين، لأن النظر والاستدلال، لا يُعارضان طريق التصفية الروحية، وهما يؤيدان عن طريق البرهان، ما تثمره التصفية من معرفة ذوقية.
والصوفية يرون أن المعرفة بالله الموجودة في النفس من عهد?ألست بربكم? كالخط المكتوب على لوح وقع عليه غبار، ثم أُزيل، فعند ذلك يظهر الخط (9) . ويردُ ذكرُ هذا العهد مع الله في أشعارهم الرائعة، مثل شعر عمر ابن الفارض، وعبد الكريم الجيلي، وجلال الدين الرومي وعبد الرحمن الجامي وغيرهم. والمحقّقون من الصوفية في حضور دائم بين يدي الله، حتى قال بعضهم (10) : «ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله فيه» وقال البعض الآخر «ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله» .
ويمكن القول بأن دليل المتكلمين الرئيسي لإثبات وجود الله هو (دليل الحدوث) أي أنه يستند إلى النظر في هذا العالم، وإثبات حدوث ما فيه من أجسام، ثم إثبات وجود محدثٍ له، بمقتضى ضرورة عقلية لا شك: فيها. على أن بعض المتكلمين انفرد بأدلّة على وجود الله، اختص بها; فيذكر لإبراهيم النظّام (11) دليل على وجود الله، يمكن تلخيصه فيما يلي: