على أساس هذا الصراط القويم من منهج القرآن الحكيم، أمكن لعلماء وفلاسفة الإسلام أن يستخلصوا أدلّة على وجود الله، ولا يزال وسيظل المجال مفتوحًا أمام المفكر المسلم في كل عصر وفي كل مكان وزمان.
فَعَلَى أساسٍ من جملة آيات القرآن، التي تتكلم عن العالم وتنبّه إلى آياته وعجائبه وَأسراره، استخلصوا بوجه عام، دليلًا على وجود الله، أسموه: «دليل التدبير، أو: دليل الإتقان، أو: دليل الإِحكام» . وهو يتلخص في الاستدلال من النظر في نظام العالم، على وجود خالقٍ قادر حكيم، طبقًا لمبدإٍ عقليٍّ هو مبدأ العلِّية، الذي يَقضي، بأنّ كل حادث، وكل شيء واقع، يقع على نحوٍ ما، لابُدَّ له من علِّة كافية وهي الخالق المُوجِد القادر الحكيم.
فإذا وقفنا مثلًا أمام ابن رشد، رائد النظر العقليّ في الفلسفة الإسلامية، (ابن رشد ت595 هـ = 1198 م) فإننا نشهد أنه نظر في آيات القرآن نظرًا فلسفيًا تحليليًّا عميقًا، وميّز بين دليلين اثنين يمكن أخذهما من الكتاب الكريم (6) :
الدليل الأول: دليل الاختراع، ومعنى الاختراع هو الإِيجاد والإِحداث، أو كما يقول ابن رشد، هو اختراع جواهر الأشياء، واختراع الحياة في المادّة. ويقوم هذا الدليل في نظره على نوع من الدلالة، التي يدركها الإنسان بالحسّ والعقل إدراكًا مباشرًا.
فمثلًا، فيما يتعلق بعالم الكائنات الحيّة نحن نلاحظ حدوث النبات والحيوان، وهذا يدل بحكم الضرورة العقلية، على أنّ للحياة عِلَّةً خالقة، وفيما يتعلق بنظام السموات، نلاحظ أن الأهرام والكواب والأفلاك: