ولا يقف الأمر عند تأثيرات الطبيعة، فهنالك ما هو أكثر أهميّة، هنالك البيئة البشرية بكل ما تعنيه من السكون أو الاصطخاب، والتجانس أو التشعّب، والتنوع والتقلّب.. ولا يستطيع المبدع، وهو خليّة من المجتمع، أن يتملّص من آثاره أو يجمُدَ عند تغيُّره. إن البيئة البشرية تعني الثقافة والحضارة وطرق المعيشة والمسكن والملبس والحالة الطبقية والإنتاج الاقتصادي والتقاليد والعادات والأذواق والعلوم والفنون والعمران والحياة الفكرية والشرائع والأشكال السياسيّة. والتمازج بين الشعوب وتلاقح الحضارات والانتصارات والهزائم والاستقرار أو الاضطراب.. وما إلى ذلك من الظروف الاجتماعية ذات التأثير الأكيد على الإنسان عمومًا والمبدعين ونتاجهم خصوصًا. وبالمقابل تخضع هذه البيئة لتأثير المبدعين فيها، فالتفاعل بينهما متبادل بل يُعَدّ العاملُ الفكريّ والفنّي من أبرز أسباب التغيير الاجتماعي.
ومن هنا انطلق المذهب التاريخي النقدي الذي عُني بدراسة البيئة ومدى تأثيرها في الآداب والفنون وتأثرها بها ودلالة هذه الإبداعات على ملامح البيئة وتصويرها لتياراتها الخفيّة والظاهرة وإرهاصاتها المستقبليّة. يقول طه حسين في دراسته الأولى للمعري"إن الرّجل وماله من آثار وأطوار نتيجةٌ لازمة وثمرة ناضجة لطائفةٍ من العلل اشتركتْ في تأليف مزاجه وتصوير نفسه.. والخطأ كلّ الخطأ أن ننظر إلى الإنسان نظرتنا إلى الشيء المستقل عما قبله وبعده، الذي لا يتصل بشيء مما حوله، ولا يتأثر بشيءٍ مما سبقه أو أحاط به".