فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 209

فالرومانسيّ يرفض التقليد واحتذاء نماذج الأقدمين اليونان والرومان ويريد أن يتحرر منهم. وهو عدو التقاليد والعرف، يريد أن يكون مخلصًا لنفسه، وأصيلًا في التعبير عن مشاعره وقناعاته، قلبًا وقالبًا، ومن ثمّ فهو يقدّم كيفيةً جديدة في الإحساس والتصور والتفكير والانفعال والتعبير، أي مفهومًا جديدًا للواقع وموقفًا جديدًا من العالم واعتقادًا بالحركة والحرية والتقدم، وأولويّة للقلب على العقل.

2-المناخ العامّ

1-الجذور وإرادة التغيير:

تحدثنا في الفصل السابق عن مرحلة الانتقال من الكلاسيكيّة إلى الرومانسيّة، وعن المعركة بين أنصار القديم وأنصار الحديث، وكيف تهيأت الأذهان رويدًا رويدًا منذ نهاية القرن السابع عشر إلى قبول التغيير، وكيف سرى هذا التغيير خلال القرن الثامن في مناخٍ من الوفاق والشقاقِ، إلى أن جاء التغيير الحاسم على يد شاتوبريان. وفي الحقيقة لا يأتي أي تغيُّرٍ طبيعي بغتةً، فقد حملت الكلاسيكية في أحشائها بذور الرومانسية، لأنه لا توجد أبدًا في عالم الإنسانيات حدود فاصلة وفروقٌ حاسمة. وقد رأينا كيف كان كتّاب الكلاسيكية يميلون دومًا إلى الوطنية واللغة المحليّة والتغيير في بعض المعايير الأدبية المتشدّدة؛ حتى إن رونسار- وهو جد الكلاسيكية- كان يمهّد في منحاه الشعري لظهور الرومانسية، وكأنه يعلن بزوغها في وقتٍ مبكر. وكان ستندال يؤكد أن موليير كان رومانسيًا في أواسط القرن السابع عشر! على أن كتابًا كثيرين، غير فرنسيين سبقوا هؤلاء إلى الرومانسية مثل غوته وشيلر وليسنغ وكان لهم أثر في تحول وجهة الأدب الفرنسيّ.

لقد كانت الرومانسية في أحد جوانبها العميقة ردًا على التيّار المتمثّل في إيغال الإنسانيين Humanistes في إعادة الاتصال بالمنابع الثقافية القديمة وعزوف أدباء النهضة عن كل ما هو محلّي أو وسيطيّ.

2-متغيرات العصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت