والآن، ليكن آخرُ شيءٍ يستطيع التوصل إليه موضوعَ حديثنا، إنه يفكر بأن هذا الشيء ربما كان أصغر شيء في الطبيعة، ولا أريد أن أصوّر له العالم المرئيّ فقط، بل الاتساع الذي يمكن تصوّره في نطاق هذا الجزيء الصغير: إن فيه عوالم لا نهائية، لكل منها سماؤه وسياراته وأرضه.. كما هو الأمر في الكون المرئي.. وفي هذه الأرض توجد حيوانات وحشرات وحشيرات، وسيجد فيها ما وجده في الأولى، دون توقّفٍ ولا نهاية. وسوف يضيع في هذه العجائب المدهشة بصغرها أكثر من ضياعه في السّماوات واتساعها..! ومنذا الذي لا يتعجّب من أن جسمنا الذي رأينا منذ قليل أنه لا يكاد يُلحظ في الكون العظيم، هو الآن عملاقٌ وعالم، بل كلُّ شامل بالنسبة إلى القدم الذي لا يمكن الوصول إليه؟
إن من يفكر في نفسه على هذا النحو سيرتعد خوفًا من ذاته، عندما يرى نفسه قائمًا في حجمه الذي منحته إياه الطبيعة، بين هوّتيْ اللامتناهي والعدم. إنه سيرتعد لمشاهدته هذه العجائب. وأعتقد أنّه، وقد تحوّل فضوله تعجّبًا، سيكون أكثر استعدادًا لتأمّل ذيْنكَ الطرفين صامتًا أكثر من استعداده للبحث فيهما مزهوًّا.
أخيرًا، ما الإنسان في الطبيعة؟ إنه عدمٌ في مقابل اللاّنهائي وكلٌّ في مقابل العدم، ووسطٌ بين اللاشيء والكلّ، ولما كان بعيدًا جدًا عن فهم النهايتين فإن بداية الأشياء ومنتهاها بالنسبة إليه أمران محجوبان حتمًا في سرّ لا يمكن هتكه. وهكذا يرى المرء نفسه عاجزًا عن رؤية العدم الذي منه أتى واللانهائي الذي فيه يغيب!
بوسّوييه J. Bossuet - 1627-1704