ولم تعد المذاهب الأدبيّة الغربية في القرون الخمسة الأخيرة مقتصرة على آداب الغرب بقدر ما أضحت معطياتها مائدة عالميّة مشتركة (فالأدب نتاج إنساني يخضع للشروط نفسها، ولئن اختلفت سماتها فهي تشترك حتمًا في نواميس واحدة، وتتواصل فيما بينها وتتفاعل متبادلة التأثير والتأثر.
ونحن- العرب- أدنى شعوب العالم إلى أوربا، بحكم موقعنا الجغرافي وعلاقاتنا التاريخية والاقتصادية والثقافية، فلا مراء في أننا نشاركها التفاعل الأدبي أخذًا وعطاءً، وأن ما يجري هنا، أو هناك، سرعان ما تسري أصداؤه إلى الطرف الآخر..
وفي أدبنا الحديث معالم ومدارس تجد فيها الأصالة والاتباع إلى جانب التجديد المتأثر بما لدى الغرب من مذاهب، فقد قبسنا في العصر الحديث كثيرًا من إشعاعات الآداب الغربية في جملة ما قبسنا من الأشكال الحضارية والثقافية والعلميّة، واطلع أدباؤنا ومفكرونا على الآداب الغربية، ومذاهبها وما كتب فيها من الدراسات إنْ بطريق الاتصال المباشر أو الترجمة والتأليف، وما تزال تدرّس في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا المدارس الأدبية الغربيّة ونوالي فيها التأليف والترجمة لتكون لنا عونًا في تفقه الأداب وضَوْءًا يكشف كثيرًا من خصائص أدبنا الحديث والمعاصر والتيارات التي تجري ضمنه وتعمل فيه. فمما لا شك فيه أنا تأثرنا بالآداب الغربية تأثرًا كبيرًا دون إغفالنا معطياتِ الأصالة التراثيّة المستمرّة.