العشرون/ إن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم والإباحة والفروض ، ويجعل ذلك دينًا يدان به في الأرض إلى آخر الدهر . فهذا الصديق رضي الله عنه زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدة وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة فقط ، وجعل حكم ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات فرض الأم ، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد . وأثبت عمر بن الخطاب بخبر حمل ابن مالك دية الجنين وجعلها فرضًا لازمًا للأمة ، وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده ، وصار ذلك شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة . وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبدالرحمن بن عوف وحده . وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفى عنها بخبر قريعة بنت مالك وحدها ، وهذا أكثر من أن يذكر ، بل هو إجماع معلوم منهم ، ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات ، ونحن لا ننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا على قبوله والعمل بموجبه ، ولو جاز أن يكون كذبًا أو غلطًا في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به ، وهذا قدح في الدين والأمة .
الحادية والعشرون/ إن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد ويقطعون بمضمونه ، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلًاَ له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فجزم بخبره وخرج هاربًا من المدينة ، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ، وقبل خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي وتزوجتها بخبره .