الصفحة 11 من 56

خنساء هذا العصر [1]

سافرت إلى مدينة جدة في مهمة رسمية .. وفي الطريق فوجئت بحادث سيارة .. يبدو أنه وقع لحينه .. كنت أول من وصل إليه .. أوقفت سيارتي واندفعت مسرعًا إلى السيارة المصطدمة ..

تحسستها في حذر .. نظرت إلى داخلها .. حدّقتُ النظر .. خفقات قلبي تنبض بشدة .. ارتعشت يداي .. تسمَّرت قدماي .. خنقتني العبرة ..

ترقرقت عيناي بالدموع .. ثم أجهشت بالبكاء ..

منظر عجيب .. وصورة تبعث الشجن ..

كان قائد السيارة ملقىً على مقودها .. جثة هامدة .. وقد شبص بصره إلى السماء .. رافعًا سبابته .. وقد أفتر ثغره عن ابتسامة جميلة .. ووجهه تحيط به لحية كثيفة .. كأنه الشمس في ضحاها .. والبدر في سناه ..

العجيب .. أن طفلته الصغيرة كانت ملقاة على ظهره .. محيطة بيديها على عنقه .. ولقد لفظت أنفاسها وودعت الحياة ..

لا إله إلا الله ..

لم أر ميتة كمثل هذه الميتة .. طهر وسكينة ووقار .. صورته وقد أشرقت شمس الاستقامة على محياه .. منظر سبابته التي ماتت توحّد الله .. جمال ابتسامته التي فارق بها الحياة .. حلّقت بي بعيدًا بعيدًا ..

تفكرت في هذه الخاتمة الحسنة .. ازدحمت الأفكار في رأسي .. سؤال يتردد صداه في أعماقي .. يطرق بشدة .. كيف سيكون رحيلي!! .. على أي حال ستكون خاتمتي؟!

(1) - وقد نشرت هذه القصة في مجلة حياة في العدد الثامن من شهر ذي الحجة لعام 1421 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت