…ثم إن كثيرًا من العلماء تحدث عن الحكم والمعاني والمقاصد للعبادات والطاعات وما يجب على العبد أن يستحضره عند القيام بما أمره الله منها . وهذا يشير إلى أن"غير معقولية المعنى"عندهم تتعلق بامتناع القياس والتعدية ، لا أنَّ أوامر العبادة ليست مما يُعقل أو أن غير المعقولية تلك هي التي تتناسب مع معنى الخضوع وتعظيم مقام الربوبية . حتى أن الإمام الغزالي بنى كتابه (الإحياء) على بيان هذا النوع من الحكم والمعاني والمقاصد ، ونسج على منواله من تحدث عن التربية والسلوك من المؤلفين والعلماء المصنفين .
…كما أن من المتفق عليه أنه ليس هناك في أوامر الشارع ما يصادم بديهيات العقل أو منطق الفطرة . فكل أوامر الشارع بهذا المفهوم معقولة المعنى ، وليس هناك مجالٌ للتوازي أو المقارنة بين المفهوم الإسلامي التعبدي وبين المفهوم اليهودي أو النصراني (المشوّه) والذي يمكن أن يصادم مسلمات العقل وبديهيات الفطرة ، وما خبر التثليث عن القارئ ببعيد .
…وأخيرًا ، فإننا في حديثنا المتواصل عن مقاصد الشريعة وتوسيع آفاقها وتحرير معانيها لن ندخل في إطار العبادات الفردية ، وإنما سنلتزم بالإطار الذي رسمه الإمام ابن عاشور رحمه الله ، أي إطار الأمة . وفي هذا الإطار تكون كل الأمور معقولة المعنى ، نحاول أن نتعرف على دقائق معانيها في مسارب الواقع ودقائق الفكر ، ونمضي نقلِّبُ النظر في آيات الأنفس والآفاق حتى يتجلى لنا طرفٌ من الحق الذي فُطرت عليه السماوات والأرض ، ونحاول أن تستقيم حياتنا عليه ، فنسلم من الضنك وننعم بالحياة الطيبة التي وعدها الله في الدنيا قبل الآخرة للمؤمنين العاملين .