فإن قيلَ: فإذا كانت الشَّهوةُ بهذه المثابةِ في الإضرارِ، فأيُّ حكمةٍ اقتضت أن يبُلى بها الإنسانُ؟
قيل: الشَّهوةُ إنَّما تكونُ مَذمومةٌ إذا كانت مُفرَطة، وأهملها صاحبُها حتى ملكت عليه الهوَى، فإذا ما أُدِّبَت فهي المُبلِّغةُ إلى السَّعادةِ وجوار ربِّ العزَّةِ، حتى لو تُصُوِرَت مُرتفعِةً لما أمكن الوصولُ إلى الآخرةِ، وذاك أنَّ الوصوُل إلى الآخرةِ بالعبادةِ، ولا سَبِيلَ إلى العبادةِ إلا بالحياة الدُنيويَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى الحياة الدنيويَّةِ إلا بحفظِ البدنِ، ولا سَبِيلَ إلى حفظِ البدنِ إلا بإعادةِ مَا يَتَحَلَّلُ مِنهُ، ولا سَبِيلَ إلى إعادةِ مَا يَتَحَلَّلُ مِنهُ إلا بتناولِ الأغذيةِ، ولا يُمكنُ تناولُ الأغذيةِ إلا بالشَّهوةِ، فإذن: الشَّهوةُ مُحتاجٌ إليهَا، ومرغوبٌ فيها، وتقتضي الحكمةُ الإلهيَّةُ إيجادَها وتزيينَها كما قالَ تعَالَى: {زُيِّنَ للنَّاسِ حُبُّ الشَهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينِ} الآية [آل عمرن: 14] ،لكنَّ مَثلهَا مثَلُ عدوٍّ تُخشَى مَضرَّتُهُ من وجهٍ، وتُرجى منفعتُه من وجهٍ، ومع عداوتهِ لا يُستغنى عن الاستعانةِ به، فحقُّ العاقلِ أن يأخذَ نفعَهُ، ولا يسكنَ إليهِ، ولا يعتمدَ عليه إلا بقدر ما يَنتفعُ بهِ.
وأ يضًا، فإن هذه الشَّهوةَ هي المشوِّقةُ لعامَّة النَّاسِ إلى لذَّاتِ الجنَّةِ، من المأكلِ والمشربِ والمَنكَحِ، إذ ليس كُلُّ النَّاسِ يعرفُ اللَّذَّاتِ المعقولةِ، ولو توهمنَاها مُرتفعةً لما تشوَّقُوا إلى ما وُعدُوا بهِ"."
فَصلٌ
في معنى غَضِّ البَصَرِ و حُكمِهُ: