الصفحة 38 من 88

ولعل المراد من قوله: إن المساكين والضعفاء يستسقون ولا ماء لهم أن هذا كناية عن سؤالهم الله أن يغيثهم بالرسالة، ويزكيهم بالكتاب والحكمة وينزل على قلوبهم السكينة والطمأنينة، امتدادًا لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام لما قال - كما أخبر بذلك الله عنه في محكم تنزيله: (ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) .

وقد أورد المهتدي الشيخ زيادة نصًا عن إشعياء يتضمن أن"دوما"- وهي إحدى البلاد التي عمرها أحد أبناء إسماعيل عليه السلام - تستغيث بلسان حالها إلى الله سبحانه وتعالى أن يرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ليخرجها من الظلمات إلى النور. فعلى ذلك يتيسر تأويل بقية النص الوارد إلى المعاني المجازية، فيكون المراد بالأنهار والعيون، وازدياد الخير والنماء وتبدل حال القفار ... هو انتشار الرسالة، وعموم نور الإسلام، وكثرة العلماء والدعاة الذين يرد إليهم الناس لسؤالهم والاستفادة من علمهم الذي هو للروح كالماء للجسد. وقد يكون من حكمة الله أن تظل هذه النصوص بهذه الألفاظ، لأنها لو وردت ظاهرة لتلقفتها أيدي اليهود النصارى بالتحريف والتغيير.

وبناء على ذلك يكون هذا النص - سواء كان ظاهرًا أم مؤولًا - دالًا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ذكر الضعفاء والمساكين في البادية العطشى بين الجبال والقفار، وقد كانت أمته قبل بعثته على هذه الحال من الضعف والمسكنة والبداوة والسكنى بين الجبال وفي القفار والأودية العطشى.

البشارة الحادية عشر: قول إشعاء في الفصل الحادي والعشرين: (لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى النعائم، لأني أظهرت الماء في البدو، وأجريت الأنهار في بلد أشيمون، لتشرب منها أمتي المصطفاة فلتشرب منه أمتي التي اصطفيتها) وما ورد في هذه النبوة يؤكد ما جاء في النبوة السابقة، ويؤكد أيضًا تأويل الماء بالرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت