فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 110

كانت عواصف الكراهية التي يحركها علي صبري وجماعته، توشك أن تقتلعه، أما السادات الذي كان طوال عهد عبد الناصر كامنا بين أعواد الذرة، كأولاد الليل يتفرج على صراع السلطة، فلم يكن بينهما ما يدعوه للخوف منه!

وكانت كهانة"هيكل"المدربة، هي التي اقترحت على"السادات"أن يختار قضية الحريات العامة والشخصية، والاعتقالات الكيفية وغير القانونية، والفصل عن غير الطريق التأديبي، والتصنت على التليفونات ـ موضوعا للصراع مع"علي صري"ومجموعته الذي تفجر في 15 مايو 1971، بينما كان"السادات"يريد أن يعلن السبب الحقيقي للصراع، وهو سعي المجموعة لمشاركته في السلطة، ورفضها لاستئثاره بها منفردا وتحفظها وشكها في محاولاته للتقرب مع أمريكا.

وهكذا أنقذت كهانة"هيكل"المحترفة"السادات"من حماقته التي كانت كفيلة بأن يتصدى الناس له، ويرفضوه، واختار له هدفا وشعارا، قربه - في بداية عهده - من قلوبهم .. وكشف عن أنه كان يعلم طوال الوقت أن مشكلة نظام"عبد الناصر"مع الملايين الذين أحبوه ومنحوه ثقتهم كانت هي الحريات الديمقراطية!

وفيما بعد أنقذ"هيكل"السادات من مطب آخر، إذ كان هو الذي أشار عليه، بعد أن فشلت الجولة الأولى من مباحثات الاشتباك الثاني في مارس 1975، بأن يفتح قناة السويس للملاحة البحرية، وأن يختار يوم 5 يونيو موعدا لذلك الافتتاح، ليمحو عار هزيمة 1967، ويحول يومها من يوم للحداد العام إلى عيد لفتح القناة رغم علمه بأن إغلاق القناة كان آخر أوراق الضغط التي كان السادات يملكها بعد أن تبددت الثمار السياسية لنصر أكتوبر بسبب اندفاعه الأحمق لجني أي ثمار!

وفي المرتين أثبت"هيكل"أن احتراف الكهانة يمكن أن يحولها إلى هدف في ذاتها وأن الكاهن قد يبدأ مبشرا بقضية .. وينتهي إلى ممارسة الكهانة في خدمة أي هدف .. إذ كان أول من يعلم أن"السادات"هو آخر إنسان في العالم، يمكن أن يكون صورة من"عبد الناصر".

مصارعة السادات

لكن"هيكل"لم يهنأ طويلا بالقرب من السادات، فقد كان الرجل الذي ظل منزويا ومجهولا وبلا مكانة طوال عهد عبد الناصر، يريد أن يثأر لسنوات الإهمال المتعمد، التي كان فيها"هيكل"أقوى منه نفوذا وأعلى منه مكانة، بل كان يلجأ إليه أحيانا ليحل له مشاكله .. وكان يطمح أن يكون آخر الفراعنة، ولذلك أراد كهنة لم يرتبطوا في وجدان الناس بأحد سواه وخاصة بـ"عبد الناصر".

ورفض"هيكل"بعناد كل محاولات السادات لتطويعه، أو مساواته بغيره من الكتاب والصحفيين، أو نقله من مركز كهانته في"الأهرام"إلى حيث يصبح وزيرا من الوزراء، أو نائبا لرئيسهم، أو مستشارا للرئيس فقد كان يدرك بذكائه وخبرته، أن تلك كلها مناصب أقل أهمية وتأثيرا لذلك طالب بما سماه في روايته لما دار بينه وبين السادات حول هذا الموضوع بـ"مكان ومكانة الصديق"أي بمنصب الكاهن الأعظم، ذلك الدور الذي عشقه وأتقنه وبرع فيه، وحفر بسببه اسمه على أحجار التاريخ.

وجاء رفض السادات لشروط"هيكل"ليفض الاشتباك بين الرجلين. فانتقل"هيكل"خطوة بعد خطوة إلى صف المعارضين للسادات.

وترك في ذمة التاريخ سؤالين:

الأول: هل كان"هيكل"سيدافع عن توجهات"السادات"السياسية لو أنه أشركه معه في إخراجها، واحتفظ له بمكان ومكانة الصديق، أي بمنصب كبير كهان الهيكل؟!

والاحتمال الأرجح أنه كان سيفعل!

والثاني هو: هل كان مصير السادات سيختلف عن المصير الذي انتهى إليه بالفعل، لو أنه احتفظ بهيكل كاهنا لمعبده؟!

والإجابة بالقطع نعم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت