فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 110

التاريخ المصري فهو أن قمر الزمن قد أوشك أن يدخل في المحاق وقد كان.

هيكل يتربع على عرش الكهانة

هوى قمر الزمن الماضي ليطمره المحاق، وزحف الفراعين الشائخون يتوكئون على عكاكيزهم وفي معيتهم زحف شيوخ وشباب الكاهن وقبلة الكل معبد الفرعون الجديد، في ذلك المبنى الذي ما يزال إلى الآن يحمل اسم مجلس قيادة الثورة، وشعار الجميع مات الملك عاش الضباط الأحرار، وبينهم كان هيكل أصغرهم سنا، وأكثرهم ذكاء وطموحا وأبعدهم عن شبهات هؤلاء الضباط الشبان الخشنة الوجوه والملابس والكلمات؛ ولأنه كان مجرد عضو منتسب في نادي كهان الزمن المنهار، فإن الشبهات التي أحاطت بدار أخبار اليوم مركز الكهانة الرئيسي للفرعون المخلوع لم تلحقه مع أنه كان أحد كواكبها اللامعين، وفي اليوم الثاني للثورة، كان كبيرا الكهنة مصطفى وعلي أمين يعتقلان بسبب وشاية لم يتثبت منها أحد، وكان هيكل يذهب في صحبة الأستاذ التابعي ليتوسط للإفراج عنهما، ومع أن المياه قد عادت إلى مجاريها، وساد الوئام بين الفراعنة الجدد وبين أخبار اليوم وكهانها، إلا أن الشبهات التي أحاطت بالكاهنين الكبيرين كانت مؤشرا على أن فراعنة الزمن القادم، ينظرون بريبة إلى كهنة الزمن المنهار.

سبحانك اللهم .."تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".

سقطت معظم الحواجز التي كانت تقف بين"هيكل"وبين عرش الكهانة، الذي أصبح الآن - 1952 - خاليا!

كان الفراعين الجدد أولاد عائلات مستورة مثله، ولم يكن أحدهم قد نال شرف"تهشيك"الملكة الوالدة!

وكان الكهنة القدامى قد خرجوا من السباق بعد أن قعد بهم الروماتيزم وقيدتهم الشبهات، فلم يتحركوا من مكانهم على الخشبة!

وكان الزمن القادم يبحث عن كاهنه وشاعره ومغنيه!

أما المنافسون الحقيقيون، فقد كانوا الفرسان الذين شاغبوا على الزمن القديم، وشنوا الغارة ضده، وكان بينهم ثلاثة على الأقل، يعرفون كثيرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة معرفة وثيقة إبان سنوات الإعداد لها ويصادقون"عبد الناصر"و"عبد الحكيم عامر"و"صلاح سالم"والآخرين. لمع من بينهم، في العامين السابقين على الثورة"إحسان عبد القدوس"، صاحب معركة"الأسلحة الفاسدة"، و"أحمد أبو الفتح"بطل معركة قوانين تقييد حرية الصحافة، و"حلمي سلام"صاحب الحملة على فساد إدارة الجيش.

ذلك سباق لم يكن لهيكل مكان فيه، فقد قامت الثورة وتقارير القلم المخصص تقول عنه إنه"بلا لون سياسي". ومع أنه قد عمل في"الإجبشيان جازيت"ذات الصلة التاريخية بدار المندوب السامي البريطاني، وفي"آخر ساعة"المجلة الوفدية المتشددة، ثم في"أخبار اليوم"جريدة القصر، فإنه دخل هذه الصحف كلها وخرج منها وقد حافظ على"نقائه السياسي"فظل بلا"لون"!

والغريب أن هذا السباق انتهى فجأة، بعد عامين فقط من قيام الثورة، إذا بهيكل الذي لم يشغب على العهد القديم، ولم يصنف بين الثائرين عليه، يفوز بمنصب الكاهن الأعظم، أما"أحمد أبو الفتح"فقد أغلقت جريدته"المصري"وهاجر ليعيش في المنفى عشرين عاما، وتحطمت ذراع وضلوع"إحسان عبد القدوس"إبان تلقيه لدروس في الكهانة في إحدى زنازين السجن الحربي. وكان"حلمي سلام"يلهث هناك في آخر الطابور، حتى جاء اليوم الذي قادته فيه الرغبة في الانتصار على"هيكل"إلى حماقة سارت بذكرها الركبان!

في تلك السنة -1954 - أثبت الفراعين الجدد أنهم"أولاد آمون"حقا، فإنهم يفضلون هؤلاء الذين بلا لون؛ لأنهم سيخلقون لونهم الخاص من ناحية، ولأنهم - وهذا هو الأهم - لا يريدون شغبا يفسد عليهم الاستقرار الذي يريدونه، لصنع مصر التي يريدون!

مرحلة الوهج في حياة هيكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت