يحتفظ في رأسه بخريطة كاملة للمنطقة بها كل تفاصيلها، ويحتفظ في أوراقه ودفاتره بما لا يحتفظ به غيره من وثائق، بها أغلب ألغاز المنطقة القديمة والجديدة، ومفاتيح للعديد من خزائن الأسرار.
كيف تحقق له كل ذلك؟
التقليب في الأوراق يكشف كيف حقق هيكل نجاحه الذي جعله صانعا للأحداث وليس مجرد متابع لها أو محلل لأسبابها بعد أن تقع.
لم يكن مولده مختلفا عن مولد الملايين من البشر، فقد كان كل شيء عاديا بل أقل من عادي وقت مجيء هذا الطفل للحياة في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1923 بحي الحسين. صحيح أن الأب تاجر الحبوب قد فرح بعض الشيء، لكن فرحته كانت عادية، تليق بمولود من الزوجة الثانية لرجل تعود أصوله إلى ديروط بمحافظة أسيوط.
أحلام هيكل الطفل كانت ككل أحلام الأطفال في سنه، كان يحلم أن يصبح طبيبا، لكن ظروفه لم تسمح له بغير الدراسة في مدرسة التجارة المتوسطة، وهكذا لم ينل من أصبح ملء السمع والبصر (ولا يزال) تعليما جامعيا، وتلك نقطة في صالحه ولا تنقص من قدره كما تصور خصومه.
لم يستسلم هيكل لمؤهله المتوسط؛ فقد قرر أن يتغلب عليه بدراسته في القسم الأوروبي بالجامعة الأمريكية، وخلال فترة دراسته تعرف على"سكوت واطسون"الصحفي المعروف وقتئذ بالإيجيبشان جازيت، والذي استطاع عن طريقه أن يلتحق بالجريدة في الثامن من فبراير 1942، صحفيا تحت التمرين بقسم المحليات وكانت مهمته جمع أخبار الحوادث!.
وكان هيكل وقتها في التاسعة عشرة من عمره، ووقتها أيضا كانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت، وكان من قدر مصر أن تخوض رغما عنها حربا لا ناقة لها فيها ولا جمل.
في ذلك الوقت كانت الإيجيبشان جازيت هي المطبوعة الأجنبية الأولى في مصر، وكان من يكتبون فيها ملء السمع والبصر، منهم مثلا جورج أرويل ولورانس داريل ووايف كوري ابنة مير كوري مكتشفة اليورانيوم، أما رئيس تحريرها فكان كاتبا لا يقل قدرا عن هؤلاء هو هارولد إيرل.
مع بنات الليل بدأت نجوميته
لم يكن الطريق ممهدا للوصول للقمة
مع قضايا بنات الليل بدأ ظهور نجم هيكل، ففيما كان هيكل يطرق أبواب مهنة الصحافة صحفيا صغيرا بـ"إيجيبشان جازيت"، مهمته جمع أخبار الجريمة، أصدر عبد الحميد حقي وزير الشئون الاجتماعية وقتها قرارا يقضي بإلغاء البغاء الرسمي، وسبب هذا القرار كان إصابة عدد من جنود الحلفاء بالأمراض التي انتقلت إليهم من فتيات الليل، فكان أن اتفق الإنجليز وحكومة الوفد على إصدار القرار الذي أثار الجنود كما أثار فتيات الليل، كان الجميع يعرفون رأي الجنود الذين لم تكن تعنيهم الأمراض، وقد جاءوا إلى الحرب أي إلى الموت، لكن أحدا لم يكن يعرف رأي فتيات الليل، وتلك كانت مهمة الصحفي الصغير محمد حسنين هيكل.
كان تكليف الجريدة له هو أن يلتقي بفتيات الليل ويحصل من كل منهن على صورة يضعها على استمارة الاستفتاء التي وضعتها الجريدة وطبعت منها 500 نسخة، كان على هيكل أن يملأ خمسها، وهو ما نجح فيه بجدارة.