المقدم: شيخنا عفوًا أنت ذكرت أن بعضهم ذكر أكثر من مرة , هل يعني هذا تفضيل لبعض الأنبياء عن البعض الآخر؟.
الشيخ صالح: لا يعني ذلك التفضيل , التفضيل يعرف بأشياء أخرى لا يعرف بكثرة وروده , والله يقول: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} .
فهؤلاء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام , جاءت السنة بذكر أنبياء ورسل لم يذكروا في القرآن والمذكور بمن ذكروا في السنة اثنان:
شيث وقد جاء في سندٍ صحيح أنه أنزل عليه خمسون صحيفة , ويوشع ابن نون وهو الذي دخل في قوم بني إسرائيل دخل بهم الأرض المقدسة بعد وفاة موسى.
وقد ذكر في القرآن على أنه فتى لموسى ولم يتعلق بالقرآن ذكر لنبوته و لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث مجمل: ان بني إسرائيل من بعد موسى كانت تسوسهم الأنبياء , وهو الذي حبس الله جل وعلا له الشمس حتى دخل الأرض المقدسة , فشيث ويوشع ذكرا في السنة والخمسة والعشرون السابقون ذكروا في القرآن.
بقي أيها المبارك أعلام آخرون ذكروا في القرآن مع الاتفاق على أنهم قومٌ صالحون لكن هل يقطع بنبوتهم أو لا يقطع مسألة فيها خلافٌ مشهور مثل ذو القرنين , ذو القرنين ورد ذكره في القرآن {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا} {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} إلى آخر الآيات.
لكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أدري أكان ذو القرنين نبيًا أم لا , وهذا فيه تعليم للناس أن الإنسان يقف عند حدود علمه فإذا كان صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأعلمهم يقول لا أدري فهذا تفقيه لكل من يتبوأ بالعلم أن لا يعيبه أن يقول لا أدري.
فهذا ذو القرنين وكذلك الخضر , الخضر ورد في السنة اسمه ورد في القرآن وصفه {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} , فاختلف العلماء كذلك في نبوته مع أن ظاهر القرآن نبوته.
قال الله تبارك وتعالى في آخر سياق القرآن عند ذكر الخضر أنه قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} , وهذا إخبار أنه كان يتلقى الوحي من السماء لكن كما قلت لا يقطع , كذلك تبّع , كذلك غيرهم ممن ورد في القرآن.
وكذلك قال بعض أهل العلم:
واختلفت في خضر أهل النقول ... قيل نبيٌ أو وليٌ أو رسول.
هذا الخلاف في الخضر , ولكن المقصود في هذا ثمة أعلام في القرآن لم يأتي قطعٌ بنبوتهم إنما المقطوع بهم الخمسة والعشرون.
هؤلاء الأنبياء رغم شريف قدرهم وعلو منزلتهم لكن ليس لهم من خصائص الإلوهية شيء , بعثهم الله جل وعلا رسلًا مبشرين ومنذرين وأثنى عليهم.
ومن أعظم دلائل ثناء الله عليهم أن الله تعبّد خلقه بإتباعهم قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} , فلو لم يكن شريف منزلة وعلو مكانة وعصمة من الله لهم لما تعبّدنا الله جل وعلا بإتباعهم على الإطلاق.
فان وقع من بعضهم شيءٌ خلاف الأولى جاء القرآن ينص على عدم الإتباع {وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} لكن ليس على إطلاقه جاء مقيّد {وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} .
في الحالة هذه وقت أم خرج مغاضبًا لا تقتدي به فباقي سائر أمره يقتدى به وهذا مما يجب على الإنسان أن يفقه فيه كيف يفهم كلام الله.
تبقى مسألة مهمة جدًا وهي قضية الحاجة إلى الأنبياء , الحاجة إلى الأنبياء أعظم من حاجة الناس إلى أي شيء أعظم من حاجتنا إلى الطعام والهواء , أين الدليل؟ , الله يقول: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا} .
فهذا يدل يقينًا على حاجة الناس إلى أنبياء ورسل يدلونهم على ربهم تبارك وتعالى.
م: سبحانه , هذا فيما يتعلق بالأنبياء بشكل عام.
الشيخ صالح: نعم.
المقدم: إذا أردنا أن نضيّق الدائرة ونتحدث عمن خصّوا في القرآن وسمّوا بأولو العزم والله سبحانه وتعالى يقول: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} .
الشيخ صالح: نعم , {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ} , الخطاب كما تعلم لنبينا صلى الله عليه وسلم.
المقدم: صلى الله عليه وسلم.
الشيخ صالح: أمره الله بالصبر , ثم ذكر له من يحتذي به فقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} , يبقى السؤال أستاذ عبد الرحمن في قضية"مِنَ", هل هي بيانية أو بعضية؟ , فإذا قلنا أنه بيانية فيصبح جميع الأنبياء أولي عزم وهذا قال به قائمة من العلماء.
والأظهر والذي عليه الكثيرون أن من هنا بعضية فيصبح ليس جميع الأنبياء يمكن وصفهم بأنهم أولو عزم وإنما أولو العزم منهم مخصوصون.