نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
الخطبة الثانية
أما بعد:
اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمسك أبو نائلة برأس كعب ليشم رائحة الطيب، فإذا استمكن منه ومن رأسه علاه بقية أصحابه بأسيافهم وأسلحتهم.فأولًا مسك أبو نائلة يد كعب بن الأشرف وشمها ثم قال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر من هذا. قال كعب عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب ،فقال له: أتأذن لي يا أبا سعيد أن أشم رأسك وأمسح به عيني ووجهي ،قال الغبي: نعم. فمكنه من رأسه.ثم مشى معه ساعة ،وأصحابه حوله رضوان الله عليهم ،فعاد لمثلها وشم رأسه ثم مشى معه ساعة حتى اطمأن كعب تمامًا ثم قال له: أتأذن لي؟ قال: نعم ،فلما تمكن منه ، صاح أبو نائلة بأصحابه ،وقال دونكم اضربوا عدو الله ،فاختلفت أسيافهم عليه، فأخذ محمد بن مسلمة بقرون شعره وقال: اقتلوا عدو الله ،فالتفت عليه السيوف ،وأصاب حدّ بعض السيوف الحارث بن أوس رضي الله عنه ،في ظلمة الليل.فنزف دمه ،عندها صاح كعب بن الأشرف صيحة لم يبق حصن من حصون اليهود إلا أوقدت عليه نار ،لينظروا ما الخبر ،فصاحت امرأة كعب، وكانت ترقب ما يحدث تحت ضوء القمر وصاحت يا آل قريظة والنضير، يا آل قريظة والنضير.
فأخرج محمد بن مسلمة سيفًا صغيرًا فوضعه في سرة كعب واتكأ عليه حتى انتهى إلى عانته ،ثم احتزوا رأسه وأخذوه معهم ،وبدأ اليهود في هذا الوقت بالخروج من حصونهم لرؤية ما حدث، ولعلهم يمسكون بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،لكن محمد بن مسلمة وأصحابه قد خرجوا وتركوا تلك المنطقة إلى مناطق مجاورة ،فخرجوا من حرة إلى حرة ،ومن شعب إلى آخر حتى بلغوا حرة العريض.
وعندما وصلوا إليها افتقدوا الحارث بن أوس ،فإن السيف الذي أصابه أثر فيه فصار ينزف دمًا ،فوقفوا ينتظرون ساعة ،حتى وصل رضي الله عنه وهو في جهد جهيد فاحتملوه ،ثم أقبلوا سراعًا حتى دخلوا المدينة.
واجتمعت يهود ،وأخذوا يبحثون عن أحد يرونه فلم يعثروا على أحد ،ولا أثر.