وكذلك الحكم لو شهد شاهدان بإعساره.
وتقبل بيّنة الإعسار بعد الحبس بالإجماع وقبله لا.
والفرق أنّه وجد بعد الحبس قرينةً ، وهو تحمّل شدّة الحبس ومضايقه ، وذلك دليل إعساره ولم يوجد ذلك قبل الحبس ، وقيل تقبل في الحالتين ، وإن قامت البيّنة على يساره أبدًا حبسه لظلمه حتّى يؤدّي ما عليه.
واختلفوا في مدّة الحبس ، قيل: شهران أو ثلاثةٌ ، وبعضهم قدّره بشهرٍ ، وبعضهم بأربعةٍ ، وبعضهم بستّةٍ.
ولمّا كان النّاس يختلفون في احتمال الحبس ، ويتفاوتون تفاوتًا كثيرًا فإنّه يفوّض إلى رأي القاضي.
وقال المالكيّة: يحبس المدين المجهول إذا ادّعى العدم ليستبين أمره بإثباتٍ ، ومحلّ حبسه ما لم يسأل الصّبر والتّأخير إلى إثبات عسره ، وإلاّ أخّر مع كفالة كفيلٍ ولو بالنّفس ، ويحبس إن جهل حاله إلى أن يثبت عسره ، وإن لم يأت به الحميل « الكفيل » غرم ما عليه إلاّ أن يثبت عسره.
وثبوت عسره يكون بشهادة عدلين يشهدان أنّهما لا يعرفان له مالًا ظاهرًا ولا باطنًا ، ويحلف على ذلك لكن على البتّ ، ويزيد في مينه: وإن وجدت المال لأقضينه عاجلًا ، وإن كنت مسافرًا عجّلت الأوبة « الإياب » .
وبعد الحلف يجب إطلاقه وإنظاره ، لقوله تعالى: «وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ» .
فإن لم يثبت عسره وطال حبسه فإنّه يطلّق ، لكن بعد حلفه أنّه لا مال عنده.
ولا حبس على معدمٍ ثابت العدم ، للآية المذكورة ، لأنّ حبسه لا يحصل به فائدةٌ ، ويجب على المدين أن يوصي بما عليه من الدّين ، فإن مات ولم يوجد له مالٌ وفّي عنه من بيت المال ، لقوله عليه السلام « فمن توفّي وعليه دينٌ فعليّ قضاؤه ، ومن ترك مالًا فهو لورثته » .
وقال الشّافعيّ: إذا ثبت عليه الدّين بيع ما ظهر له ودفع ولم يحبس ، وإن لم يظهر حبس وبيع ما قدر عليه من ماله ، فإن ذكر عسره قبلت منه البيّنة ، لقوله عزّ وجلّ: «وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ» .
وأحلّفه مع ذلك باللّه وأخلّيه ، ومنعت غرماءه من لزومه ، حتّى تقوم بيّنةٌ أنّه قد أفاد مالًا ، فإن شهدوا أنّهم رأوا في يده مالًا سئل ، فإن قال مضاربةٌ قبلت مع يمينه ، ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف عنه ، فمتى استقرّ عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ، ولا يغفل المسألة عنه.
وعند الحنابلة: من وجب عليه دينٌ حالٌّ فطولب به ولم يؤدّه ، نظر الحاكم ، فإن كان في يده مالٌ ظاهرٌ أمره بالقضاء ، وإن لم يجد له مالًا ظاهرًا فادّعى الإعسار وصدّقه غريمه لم يحبس ووجب إنظاره ، ولم تجز ملازمته ، لقوله تعالى: «وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ» ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لغرماء الّذي كثر دينه: « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » ولأنّ الحبس إمّا أن يكون