وإن كان حالاًّ ، فإن كان معسرًا لم يجز مطالبته به لقوله تعالى: «وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ» ولا يملك ملازمته ، لأنّ كلّ دينٍ لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة عليه كالدّين المؤجّل.
فإن كان يحسن صنعةً فطلب الغريم أن يؤجّر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك ، لأنّه إجبارٌ على التّكسّب ، فلم يجز كالإجبار على التّجارة ، وإن أكرى أرضًا فأفلس المكتري بالأجرة ، فإن كان قبل استيفاء شيءٍ من المنافع فله أن يفسخ ، لأنّ المنافع في الإجارة كالأعيان المبيعة في البيع ، ثمّ إذا أفلس المشتري والعين باقيةٌ ثبت له الفسخ ، فكذلك إذا أفلس المكتري والمنافع باقيةٌ وجب أن يثبت له الفسخ.
«ت - إعسار المحال عليه»
13 -لا يرجع المدين على المحيل إلاّ أن يموت المحال عليه مفلسًا ، أو يجحد ولا بيّنة عليه ، لأنّه عجز عن الوصول إلى حقّه ، والمقصود من الحوالة سلامة حقّه ، فكانت مقيّدةً بالسّلامة ، فإذا فاتت السّلامة انفسخت كالعيب في المبيع.
هذا عند أبي حنيفة ، وزاد الصّاحبان أنّه يرجع بوجهٍ آخر أيضًا ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حياته ، بناءً على أنّ الإفلاس يتحقّق عندهما بقضاء القاضي ، وعنده لا.
وهي كذلك عند الشّافعيّة ، فإن أحاله على مليءٍ فأفلس أو جحد الحقّ وحلف عليه لم يرجع إلى المحيل ، لأنّه انتقل حقّه إلى مالٍ يملك بيعه فسقط حقّه في الرّجوع ، كما لو أخذ بالدّين سلعةً ثمّ تلفت بعد القبض.
وإن أحاله على رجلٍ بشرط أنّه مليءٌ فبان أنّه معسرٌ ، فقد ذكر المزنيّ أنّه لا خيار له ، وأنكر أبو العبّاس بن سريجٍ هذا وقال: له الخيار ، لأنّه غرّه بالشّرط فثبت له الخيار ، كما لو باعه بقرةً بشرط أنّها حلوبٌ ، ثمّ بان أنّها ليست كذلك.
وقال عامّة الأصحاب: لا خيار له لأنّ الإعسار نقصٌ ، فلو ثبت به الخيار لثبت من غير شرطٍ كالعيب في المبيع ، ويخالف الصّفة المرغوبة ، فإنّ عدمها ليس بنقصٍ وإنّما هو عدم فضيلةٍ ، فاختلف الأمر فيه بين أن يشرط وبين ألاّ يشرط.
والمالكيّة كذلك يرون أنّه إن شرط المحال على المحيل إن أفلس المحال عليه رجع على المحيل فله شرطه.
ونقله الباجيّ كأنّه المذهب ، وقال ابن رشدٍ: هذا صحيحٌ لا أعلم فيه خلافًا.
وأمّا الحنابلة فقد قالوا: متى توفّرت الشّروط برئ المحيل من الدّين بمجرّد الحوالة ، لأنّه قد تحوّل من ذمّته ، فإن أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات أو جحد الدّين فلا يرجع على المحيل ، كما لو أبرأه ، لأنّ الحوالة بمنزلة الإيفاء.
ومتى لم تتوفّر الشّروط لم تصحّ الحوالة ، وإنّما تكون وكالةً.
قال الشّمس ابن أبي عمر: وإذا لم يرض المحال ثمّ بان المحال عليه مفلّسًا أو ميّتًا رجع بغير خلافٍ.
وإن رضي مع الجهل بحاله رجع ، لأنّ الفلس عيبٌ في المحال عليه.
وإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسرًا رجع.
لحديث: « المؤمنون عند شروطهم » .
«ث - إعسار الزّوج بالمهر المسمّى»