فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 664

العدد [1] من مادة العدو على الضِّعف بحال، والحكمة في هذا ظاهرة في عُرْفِ القتال؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أَثَرٌ في معالجة القتال؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكرِّ والحمل والمجالدة، بل لا يجدون مجالًا في الغالب، قال النابغة -يَصِفُ عظم الجيش، وتضييق بعضهم على بعض في النفوذ والسَّير-:

جَمْعًا يظلُّ به الفضاءُ مُعَضِّلًا ... يَدَعُ الإكامَ كَأنَّهنَّ صَحارِي [2]

فصار الزائدُ في محل اللقاء، كأنه لم يكن، إذْ لا أثر يوجد منه في المحاولة والمغالبة.

فإن قيل: إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال، فلهم من الغَناء أنَّ القَتْلَ إذا انْتَقَصَ شيئًا من عدد أصحابهم المقاتلين خَلَفه غيره، فلا يزالون موفورين،

وينقُص عدد الآخرين، فلا يوجد من يَسُدُّ مكانه في القتال.

قيل: إذا نقصوا عن اثني عشر ألفًا بالقتل ونحوه؛ لم يكن لمن بقي حكم الاثني عشر ألفًا، وعلى ماذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة [3] هو ظاهر ما يروى عن مالكٍ، حُكي عنه أنَّ سائلًا سأله، فقال: أَيَسْعُنَا التخلُّف عن قتال من خرج عن أحكام الله -تعالى-، وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفًا مِثْلكَ؛ لم يَسعكَ التخلف، وإلا فأنت في سَعَة [4] .

(1) رَسَمها الناسخ: «الحدد» .

(2) «ديوان النابغة» (ص 105- ط. دار الكتاب العربي) .

المعضل: الضيِّق. والإكام: مرتفع من الأرض، الواحدة (أَكَمة) .

وهو يصف قومه وكثرة عددهم، فالمعنى: إن هؤلاء القومَ يضيقُ الفضاء بهم لكثرة عددهم، وتصبح المرتفعات الوعرة أرضًا مستويةً كالصحراء، بكثرة مرورهم بها.

(3) انظر: «شرح السير الكبير» (1/89) ، «أحكام القرآن» (4/227) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (2/193) .

(4) انظر: «الخرشي» (4/19) ، «حاشية الدسوقي» (2/178) ، وانظر توجيه الحديث في: «عون المعبود» (7/193) ، ورد ابن العربي في «العارضة» (7/44-45) الاستدلال بهذا الحديث بأنَّ =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت