من أعدائها ضائعة قبل أن يضيعها أولئك الأعداء. ص _037
كما نعتقد أن محاربة الفصحى لا تأتى من أناس يخلصون في البحث عن لغة أيسر منها وأحق بالبقاء .! وإنما يحارب الفصحى من يريدون محو هذه اللغة لمحو جميع المعالم التى ترتبط بها في العقيدة والأخلاق وتراث الفكر والثقافة . ودون ذلك تتحطم معاول الهدم في أيدى الجبابرة العتاة . فما بالك بمعاول الهدم في أيدى العجاف المهازيل ؟! اللغة الفصحى باقية ما بقيت الحاجة إلى لغة عامة مشتركة بين بلاد كثيرة وأزمنة متلاحقة . ولن تستغنى اللغة العامة عن قواعد متفق عليها ، لأن اللغة المرتجلة بلا قاعدة ربما صلحت لوقتها ومكانها ، ولا تصلح لجميع الأوقات وجميع الأمكنة . ماذا حدث في اللغات الأوروبية الدارجة بعد إهمال اللاتينية ؟. لم تذهب القواعد النحوية والصرفية ، بل قامت في اللغات الفرنسية والإيطالية والإسبانية الحديثة ، قواعد مطردة أصعب على المتعلم من القواعد اللاتينية . فالذين يريدون محو الفصحى لا يخلصون حين يزعمون أنهم يطلبون الخلاص من القواعد التى يصعب على المتعلمين أن يتقنوها ويلتزموها . فإن القواعد المهروب منها آتية ـ لا محالة ـ بعد استقرار اللهجة الدارجة على حال من الأحوال . وإنما يطلبون محو"اللغة الفصحى"لأنها قوام ثقافة كاملة هى المقصودة بالهدم والإلغاء . أما رسوم الحروف باللغة العربية فالبحث فيها سهل واضح لا يتسع فيه مجال الخلاف ، إلا أن المختلفين ينسون طبيعة اللغة العربية ، ويغيب عنهم أنها لغة اشتقاق وليست لغة"نحت"كاللغة اللاتينية وأخواتها . فلا سبيل إلى كتابة لغات الاشتقاق ولغات النحت بطريقة واحدة في الرسم على الإطلاق . إن التركى ـ مثلا ـ يقول طاقم وطقم بكسر القاف ، وطقم بسكونها ، ولا يختلف المعنى . ولكن الفرق بين الفعل"عَلِم"والاسم"عالم"فى اللغة العربية إنما هو الفرق في حركة خفيفة من حركات حرف العين . ص _038