اختلف في الاسراء والمعراج؛ هل كانا في ليلة واحدة أم لا، وأيهما كان قبل الآخر، وهل كان في اليقظة أو في المنام، او بعضه في اليقظة وبعضه في المنام، وهل كان مرة أو مرتين أو مرات: فذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين الى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة وتواردت عليه طواخر الأخبار الصحيحة وقوله تعالى:
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} الاسراء.
لأن التسبيح إنما بكون عند الأمور العظام، ولو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء، ولما بادرت قريش الى إنكاره، ولا ارتد جماعة من ضعفاء من أسلم، ولأن العبد عبارة عن مجموع من الروح والجسد، ولو كان مناما لم يقل بعبده بل بروح عبده، وليس العقل ما يحيل ذلك أيضا، ولأنه حمل على البراق والروح لا تحمل، وإنما يحمل البدن.
ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، من حديث محمد بن كعب القرظي، في شأن أبي سفيان مع هرقل"البخاري كتاب بدء الوحي"قال: وأبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده قال: حتى ذكرت ليلة أسري به فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قلت: يزعم أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فجاء هذا مسجدا ايليا ورجع الينا في تلك الليلة قبل الصباح. وبطرق إيليا عن رأس قيصر بطريق إيليا. فنظر قيصر قال: ما علمك بها؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني النوم فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فغلبني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به حبلا، فدعوت اليه النجاجرة، فنظروا اليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه البنيان ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى، فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلما عدوت عليها فإذا الحجر الذي من زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر ربط الدابة، فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة الا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا. الخصائص الكبرى للسيوطي 1/ 423ـ425. ابن كثير 5/ 39.
وذهب جماعة الى أن الاسراء كان بروحه في المنام، فقد كان معاوية يقول إذا سئل عن الاسراء: كانت رؤية من الله صادقة. وقالت عائشة: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما أسري بروحه. رواهما ابن اسحاق في السيرة. سيرة ابن هشام 2/ 5. ولقوله تعالى:
{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الاسراء 60.
والرؤية إنما تطلق على ما كان مناما، ولظاهر في بعض الأحاديث السابقة من قوله:"بينا انا نائم"، وفي بعض الطرق"فاستيقظت وانا بالمسجد الحرام". وأجيب عن الآية بأن قوله: {فتنة للناس} يريد أنها رؤيا عين، إذ ليس في الحلم فتنة، ولا يكذب به أحد. وقيل: إن الآية نزلت في غير قصة الاسراء وعن قوله:"بينا أنا نائم". بأن أول مجيء الملك اليه وهو نائم. فأيقظه، لا أنه استمر نائما. وأما قوله:"فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام". فالمراد به الافاقة البشرية من الغمرة الملكية، على أن شريكا رواية اضطرب فيه وساء حفظه، وزاد ونقص، وقدم وأخر وأما قول عائشة: ما فقدت جسده، فعائشة لم تكن حينئذ زوجة، بل لعلها لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الاسراء متى كان، فإنها كانت في الهجرة بنت ثمانية أعوام، وسيأتي تاريخ الاسراء بأقواله، فإذا لم تشاهد ذلك دل على أنها حدثت به عن غيرها، فلم يرجع خبرها، مع قول أم هانئ بخلافه، على أن عائشة أنكرت أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه، فدل على أن الاسراء كان يقظة، إذ لو كان مناما لم تنكره.