ويذهب ماء الوجه بعد حيائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا
يروى أن رجلًا من الأنصار جاء إلى عبد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم رسول الله إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك تبركًا به وإن أمه ماتت فقال عبد الله: بارك الله لك في الصبية وأجزل لك في الصبر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش بؤس، وفي المال قلة قال الأنصاري: جُعلت فداك لو سبقت حاتمًا بيوم واحد ما ذكرته العرب أبدًا، ولكنه سبقك فصرت تاليًا، وأنا أشهد أن عفوك. أكثر من جوده، وطلّ كرمك أكثر من وبله.
قال خرج رجلان من المدينة يريدان عبد الله بن عامر بن كُريز للوفادة عليه. أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملًا بالعراق لعثمان بن عفان رضي الله عنه. فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال اعرضه. قال: ننيخ رواحلنا ونتوضأ ونصلي ركعتين نحمد الله عز وجل فيهما على ما قضى من سفرنا. قال: نِعم هذا الرأي الذي لا يُردّ. قال: ففعلا ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي فقال له: يا أخا ثقيف ما رأيك؟ قال وأي موضوع رأي هذا، قضيت سفري، وأنضيت بدني وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر فهل لك من رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال إنني لما صليت، فكرت فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره. ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعًا إلى المدينة. ودخل الثقفي إلى البصرة فمكث على باب ابن عامر أيامًا، فلما أُذن له، دخل عليه، وكان كُتب إليه بخبرهما، فلما رآه رحب به وقال: أَلم أُخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما، فبكى ابن عامر وقال: والله ما قالها أشِرًا ولا بطرًا، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر الثقفي بأربعة آلاف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:
أمامة ما سعي الحريص بزائد ... فتيلًا ولا عجز الضعيف بضائر
خرجنا جميعًا من مساقط رؤوسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر
فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخر عني اليثربي ابن جابر
وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو لسد مفاقري
فلما رآني قال ابن جابر؟ ... وحن كما حنت ضراب الأباعر
فأضعف عبد الله إذ غاب شخصه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر
قال خرج على الرشيد بعض الخوارج، فأنهض إليه جيشًا فظفر به، فلما دخل عليه قال: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الذي تريد أن يصنع الله بك إذا وفقت بين يديه، فأطرق الرشيد مليًا ثم رفع رأسه وأمر بإطلاقه فلما خرج قال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين يقتل رجالك، ويفني أموالك، وتطلقه بكلمة واحدة، تأمل هذا الأمر فإنه يجري عليك أهل الشر، فأمر برده فلما مثل بين يديه علم أنه قد شنع به عنده. فقال: أمير المؤمنين لا تطعهم فيّ، فلو أطاع الله عز وجل فيك ما استخلفك لحظة واحدة، فأمر بإطلاقه وقال: لا يعاود"ني أحد"في شأنه.
قيل أتى معن بن زائدة بأسرى فعرضهم على السيف. فقال له بعضهم: نحن أسراك أيها الأمير ونحن نحتاج إلى شيء من الطعام، فأمر لهم بذلك، فأتي بأنطاع فبسطت وأتي بالطعام. فقال لأصحابه: أمعنوا في الأكل ومعن ينظر إليهم ويتعجب منهم، فلما فرغوا من أكلهم قام فقال أيها الأمير قد كنا قبلُ أسراك ونحن الآن أضيافك، فانظر ماذا تصنع بأضيافك. فعفى عنهم وخلى سبيلهم. فقال له بعض من حضر ما ندري أيها الأمير أي يوميك أشرف يوم ظفرك أو يوم عفوك!
قال روح بن مقاتل: لما زُفت بوران بنت الحسن بن سهل إلى المأمون كتبت إليه حظيته عريب تقول:
أنعم، تخطتك عيون الردى ... بزف بوران مع الدهر
بيضة خدر لم يزل نجمها ... بنجم مأمون الورى يجري
حتى استقر الملك في حجرها ... بورك في ذلك من حجر