قال: فأخذت الرقعة منها وأوصلتها إليه، وصرت إلى منزلي فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحنًا وفي شعرها لحنًا، ثم صرت إلى الأمير صالح ابن الرشيد فعرفته ما كان من خبري وغنيته الصوتين. فأمر بإسراج دابته فأسرجت وركب وركبت معه إلى النخاس - مولى نيران - فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له وأقمنا يومًا عنده.
حدث أحمد بن أبي داود القاضي قال: ما رأيت رجلًا عرض علي الموت فلم يكترث به ولا"شغله عما أراده حتى بلغه وخلصه الله من القتل"إلا تميم بن جميل السدوسي الخارجي، وكان قد خرج على المعتصم، ورأيته قد جيء به أسيرًا فأدخل عليه يوم موكب، وقد جلس المعتصم للناس مجلسًا عامًا، ودعا بالسيف والنطع. فلما مثل بين يديه، نظره المعتصم فأعجبه حسنه وقده ومشيته إلى الموت غير مكترث به، فأطال الفكر فيه، ثم استنطقه لينظر أين عقله ولسانه من جماله، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأت به. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين، ولم بك شعث الإسلام والمسلمين، وأخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبيل الحق، إن الذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأنت إلى العفو أقرب، وهو بك أشبه وأليق ثم أنشده:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن ثعلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد لطموا حر الخدود وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت
قال: فبكى االمعتصم ثم قال: إن من البيان لسحرًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: يا تميم كاد والله يسبق السيف العذل، وقد وهبتك لله ولصبيتك وعفوت عن زلتك، ثم عقد له ولاية على عمله، وخلع عليه وأعطاه خمسين ألف دينار.
قيل وقف أعرابي على باب داود بن المهلب سنة ولا يؤذن له. فلما أذن للناس إذنًا عامًا ودخل في جملتهم، فقضى حوائج الناس على طبقاتهم، وبقي هو، فرفع داود رأسه وقال: ألك حاجة يا بدوي؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير إني أتيتك ممتدحًا بأبيات من الشعر، أؤمل بكل بيت منها ألف درهم. فقال له يا داود: على رسلك، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج. وقال: قل، فإن أحسنت حكمناك، وإن لم تحسن حرمناك، فاندفع:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشي والبؤس والفقر
أمنت فلا أخشى بداود نكبة ... ولا حدثانًا إذ شددت به أزري
فما طلحة الطلحات ساواه في الندى ... ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وملك سليمان وصدق أبي ذر
فتى تهرب الأموال من جود كفه ... كما يهرب الشيطان من ليلة القدر
له همم لا منتهى لكبيرها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
وراحته لو أن معشار عشرها ... على البر كان البر أندى من البحر
فقال له داود: أحسن يا أعرابي، وقد حكمناك فأيما أحب إليك أن أعطيك على قدرك أو على قدري، أو على قدر الشعر، قال: بل على قدر الشعر، فأمر له على كل بيت بألف درهم وانصرف، فقال بعض جلسائه: لو استعدته أيها الأمير فاستخبرته لم اختار على قدر الشعر ولم يختر على قدرك؟ فأمر برده واستخبره على ذلك، فقال: أيها الأمير نظرت إلى الدنيا بما فيها فإذا هي لا تفي بمعشار عشر قدرك، فأشفقت أن أسألك ما لا تطيق. فقال: أحسنت والله أحسن من شعرك، وضاعف له الجائزة فأخذها وانصرف.