وقال أبو الفرج أيضًا: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب ابن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا القخذمي وقال: لزم يزيد بن مفرغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عيسى إلى أن يخرج الأشراف فيروني، فيقضوا عني ديني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج اما عمر بن عبيد الله بن معمر، واما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ههنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم علي قال: وكم هو؟ قال سبعون ألفًا قال: علي منها عشرة آلاف درهم، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله عما سأله صاحبه فقال: هل خرج أحد قبلي؟ قالوا: نعم فلان، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف درهم فقال علي مثلها، وجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين ألفًا وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة فلم يخرج حتى غربت الشمس فخرج مبادرًا فلم يره حتى كاد يبلغ بيته فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزومًا، وقد مر به الأشراف فضمنوا عنه، قال: واسوأتاه إني لخائف أن يظن بي أني تغافلت عنه، فكر راجعًا فوجده قاعدًا فقال له: أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني قال: وكم عليك؟ قال: سبعون ألفًا، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفًا. قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع فقال فيه:
لو شئت لم تعني ولم تنصب ... عشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذي ... لا يختم الأموال بالخاتم
من كف بهلول له عدة ... ما ان لمن عاداه من عاصم
المطعم الناس إذا حاردت ... نكباؤها في الزمن العارم
والفاصل الخطة يوم اللحا ... للأمر عند الكربة اللازم
جاورته حينًا فأحمدته ... أثني وما الحامد كاللائم
كم من عدو كاشح شامت ... أخزيته يومًا ومن ظالم
أذقته الموت على غرة ... بأبيض ذي رونق صارم
وقال أيضًا: حدثني محمد بن جرير الطبري عن شيوخه إلى أن بلغ به يحيى بن عروة بن أذينة قال: أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام ابن عبد الملك، فنسبهم فانتسبوا، فلما عرف أبي قال له أنت القائل:
لقدعلمت، وما الأشراف من خلفي
إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعينني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني
وإن حظ امرئ غيري سيبلغه ... لا بد لا بد أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يدني لمنقصة ... وغبر من كفاف العيش يكفيني
لا أركب الأمر تزري به عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا ديني
كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكين
ومن عدو رماني لو قعدت له ... لم يأخذ النصف مني حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحًا فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنطق فيما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين لمن لا يشتهي ليني
فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها، قال: أفلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام، فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفًا، فافتقده هشام فعرف خبره فأتبعه بجائزة، وقال للرسول: قل له: أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء يتغدى عليه، فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قل له صدقني ربي وكذبك قال يحيى بن عروة: وفرض له فريضتين كنت أنا في إحداهما.
وقال أبو الفرج أيضًا أخبرني محمد بن عمران الصيرفي والحسن بن علي الخفاف عن شيوخهم قالوا: دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له: يا بن مزيد من الذي يقول فيك:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله؟ فخرج من عنده خجلًا. فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال: من بالباب من الشعراء؟ قال مسلم بن الوليد قال: وكيف حجبته عني ولم تعلمني بمكانه، قال: أخبرته أنك مضيق وأنه ليس في يدك شيء تعطيه، وسألته الإمساك والمقام أيامًا إلى أن تتسع قال: فأنكر ذلك عليه وقال: أدخله إلي فأدخله إليه فأنشد قوله فيه: