ووجدت الطالبات يغطين رؤوسهن في درسي ودرس الشيخ بالخمار « الإيشارب » وإن كان منه ما لا يستر إلا ربع الرأس ، وما كنت أختلط بالمدرسات ،بل أعتزلهن أنا والشيخ ، إلا مرات قليلة لم يكن لنا فيها بد من الاجتماع بهن ، وما خرجت في هذه الاجتماعات وفي دروسي مع الطالبات عن موضوع البحث أو الدرس إلا مرة واحدة .. واستمرت الحال لا أنكر منها شيئًا ، حتى سمعت يومًا وأنا ألقي درسي أصواتًا ألتفت بلا شعور إلى مصدرها ، فإذا أربعون من الطالبات في درس الرياضة وهن يلبسن فيه ما لا يكاد يستر من نصفهن الأدنى إلا أيسره ، وكن في وضع لا أحب ولا أستجيز أن أصفه فهو أفظع من أن يوصف ، فذهبت بعد الدرس إلى شيخنا الشيخ بهجة البيطار وخبرته, فقررنا أن نترك التدريس ، وكان قد بقي إلى الامتحان ونهاية العام نحو عشرة أيام . ( ذكريات 8/270-275) (1)
(1) وقال في موضع آخر: ( جاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة ، فأغلقت دمشق حوانيتها ، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين ، حتى روعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب ، وأوقعت عليها العقاب ، مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيرًا وعالمًا جليلًا ، وكان أستاذًا لنا . ومرت الأيام ، وجئت هذه المدرسة أُلقي فيها دروسًا إضافية ، وأنا قاضي دمشق ، سنة 1949 . وكان يدرس فيها شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار فسمعت مرة صوتًا من ساحة المدرسة ، فتلفت أنظر من النافذة ، فرأيت مشهدًا ما كنت أتصور أن يكون في ملهى ، فضلًا عن المدرسة ، وهو أن طالبات أحدا لفصول ، وكلهن كبيرات بالغات ، قد استلقين على ظهورهن في درس الرياضة ورفعن أرجلهن ، حتى بدت أفخاذهن عن آخرها وكتبت في إنكار ذلك مقالة ،وعرضت له في أحاديثي في الإذاعة ، واجتمع رأي الشيخ ورأيي على أن بقاءنا في المدرسة بعد هذا لا يجوز ، وكان ذلك آخر يوم من السنة المدرسية فلم أعد إليها السنة التي بعدها . ذكريات( 5/ 226-227)