الصفحة 7 من 349

وقد قال بعض المفسرين ـ وهو يروي عن الضحاك ـ: لا تقربوها وأنتم سكارى من النوم. وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السكر من الخمر. واللفظ صريح في ذلك؛ والمعنى الآخر صحيح أيضًا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قام أحدكم يصلي بالليل فاستعجم القرآن على لسانه فليرقد، فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه ـ وفي لفظ ـ إذا قام يصلي فنعس فليرقد) .

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة مع النعاس الذي يغلط معه الناعس. وقد احتج العلماء بهذا على أن النعاس لا ينقض الوضوء، إذ لو نقض بذلك لبطلت الصلاة، أو لوجب الخروج منها لتجديد الطهارة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما علل ذلك بقوله: (فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه) فعلم أنه قصد النهي عن الصلاة لمن لا يدري ما يقول وإن كان ذلك بسبب النعاس. وطرد ذلك أنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (لا يصلي / أحدكم، وهو يدافع الأخبثين ولا بحضرة طعام) لما في ذلك من شغل القلب. وقال أبو الدرداء: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته فيقضيها ثم يقبل على صلاته وقلبه فارغ.

فإذا كانت الصلاة محرمة مع ما يزيل العقل ولو كان بسبب مباح حتى يعلم ما يقول كانت صلاة المجنون ومن يدخل في مسمى المجنون، وإن سمي مولها أو متولها، أولى ألا تجوز صلاته.

ومعلوم أن الصلاة أفضل العبادات، كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى اللّه؟ قال: (الصلاة على وقتها) . قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين) . قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد) . قال: حدثني بهن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني. وثبت أيضًا في الصحيحين عنه: أنه جعل أفضل الأعمال إيمان باللّه، وجهاد في سبيله، ثم الحج المبرور. ولا منافاة بينهما؛ فإن الصلاة داخلة في مسمى الإيمان باللّه، كما دخلت في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] . قال البراء بن عازب وغيره من السلف: أي صلاتكم إلى بيت المقدس.

ولهذا كانت الصلاة كالإيمان لا تدخلها النيابة بحال، فلا يصلي أحد عن أحد الفرض، لا لعذر ولا لغير عذر. كما لا يؤمن أحد عنه، ولا / تسقط بحال كما لا يسقط الإيمان، بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضرًا، وهو متمكن من فعل بعض أفعالها. فإذا عجز عن جميع الأفعال ولم يقدر على الأقوال، فهل يصلي بتحريك طرفه ويستحضر الأفعال بقلبه؟ فيه قولان للعلماء، وإن كان الأظهر أن هذا غير مشروع.

فإذا كان كذلك، تبين أن من زال عقله فقد حرم ما يتقرب به إلى اللّه من فرض ونفل، و [الولاية] هي الإيمان والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض والنوافل، فقد حرم ما به يتقرب أولياء اللّه إليه؛ لكنه مع جنونه قد رفع القلم عنه فلا يعاقب، كما لا يعاقب الأطفال والبهائم؛ إذ لا تكليف عليهم في هذه الحال. ثم إن كان مؤمنًا قبل حدوث الجنون به، وله أعمال صالحة، وكان يتقرب إلى اللّه بالفرائض والنوافل قبل زوال عقله كان له من ثواب ذلك الإيمان والعمل الصالح ما تقدم، وكان له من ولاية اللّه تعالى بحسب ما كان عليه من الإيمان والتقوى، كما لا يسقط ذلك بالموت، بخلاف ما لو ارتد عن الإسلام؛ فإن الردة تحبط الأعمال، وليس من السيئات ما يحبط الأعمال الصالحة إلا الردة، كما أنه ليس من الحسنات ما يحبط جميع السيئات إلا التوبة، فلا يكتب للمجنون حال جنونه مثل ما كان يعمل في حال إفاقته، كما لا يكون مثل ذلك لسيئاته في زوال عقله بالأعمال المسكرة والنوم؛ لأنه في هذه الحال ليس له قصد صحيح، ولكن في الحديث / الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت