الصفحة 5 من 349

وأما تلك العبادة المنذورة، فلا تقوم بشكر تلك النعمة، ولا ينعم اللّه تلك النعمة؛ ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التي كانت مستحبة، فصارت / واجبة؛ لأنه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء، بل هو يرضى من العبد بأن يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم، لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيرًا من حقوق اللّه ثم بذل ذلك النذر؛ لأجل تلك النعمة، وتلك النعمة أجل من أن ينعم اللّه بها؛ لمجرد ذلك المبذول المحتقر.

وإن كان المبذول كثيرًا، والعبد مطيع للّه، فهو أكرم على اللّه من أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير، فليس النذر سببًا لحصول مطلوبه كالدعاء، فإن الدعاء من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من العبادات جعلها اللّه تعالى أسبابا؛ لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد ابتداء، وأما ما يفعله على وجه النذر، فإنه لا يجلب منفعة، ولا يدفع عنه مضرة، لكنه كان بخيلا فلما نذر، لزمه ذلك، فاللّه ـ تعالى ـ يستخرج بالنذر من البخيل، فيعطي على النذر مالم يكن يعطيه بدونه واللّه أعلم.

فَصْل

في أحب الأعمال إلى الله

ومن أحب الأعمال إلى اللّه، وأعظم الفرائض عنده: الصلوات الخمس في مواقيتها، وهي أول ما يحاسب عليها العبد من عمله يوم القيامة، وهي التي فرضها اللّه ـ تعالى ـ بنفسه ليلة المعراج لم يجعل فيها بينه وبين محمد واسطة، وهي عمود الإسلام الذي لا يقوم إلا به، وهي أهم أمر الدين، كما كان ـ أمير المؤمنين ـ عمر بن الخطاب يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة) وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم / الصلاة، فمن تركها فقد كفر) . فمن لم يعتقد وجوبها على كل عاقل بالغ غير حائض ونفساء، فهو كافر مرتد باتفاق أئمة المسلمين، وإن اعتقد أنها عمل صالح وإن اللّه يحبها ويثيب عليها، وصلى مع ذلك وقام الليل، وصام النهار، وهو مع ذلك لا يعتقد وجوبها على كل بالغ، فهو أيضًا كافر مرتد، حتى يعتقد أنها فرض واجب على كل بالغ عاقل.

ومن اعتقد أنها تسقط عن بعض الشيوخ العارفين والمكاشفين والواصلين، أو أن للّه خواصًا لا تجب عليهم الصلاة، بل قد سقطت عنهم لوصولهم إلى حضرة القدس، أو لاستغنائهم عنها بما هو أهم منها أو أولى، أو أن المقصود حضور القلب مع الرب، أو أن الصلاة فيها تفرقة، فإذا كان العبد في جمعيته مع اللّه فلا يحتاج إلى الصلاة، بل المقصود من الصلاة هي المعرفة، فإذا حصلت لم يحتج إلى الصلاة، فإن المقصود أن يحصل لك خرق عادة، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، أو ملء الأوعية ماء من الهواء أو تغوير المياه واستخراج ما تحتها من الكنوز، وقتل من يبغضه بالأحوال الشيطانية. فمتى حصل له ذلك استغنى عن الصلاة ونحو ذلك.

أو أن للّه رجالًا خواصًا لا يحتاجون إلى متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى، أو أن كل / من كاشف وطار في الهواء، أو مشى على الماء، فهو ولي سواء صلى أو لم يصل.

أو اعتقد أن الصلاة تقبل من غير طهارة، أو أن المولهين والمتولهين والمجانين الذين يكونون في المقابر والمزابل والطهارات والحانات والقمامين، وغير ذلك من البقاع، وهم لا يتوضؤون ولا يصلون الصلوات المفروضات، فمن اعتقد أن هؤلاء أولياء اللّه فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام، ولو كان في نفسه زاهدًا عابدًا، فالرهبان أزهد وأعبد، وقد آمنوا بكثير مما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت