الصفحة 26 من 349

فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد يأتى بما يناقض ذلك. لم يكن لأحد أن يقول: هذا ولى لله، فإن هذا إن لم يكن مجنونًا، بل كان متولهًا من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارة، ويفيق أخرى وهو لا يقوم بالفرائض، بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وإن كان مجنونًا باطنًا وظاهرًا قد ارتفع عنه القلم، فهذا وإن لم يكن معاقبًا عقوبة الكافرين فليس هو مستحقًا لما يستحقه أهل الأيمان والتقوى من كرامة الله عز وجل، فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولى لله، ولكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنًا بالله متقيًا كان له من ولاية الله بحسب ذلك. / وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرًا أو منافقًا ثم طرأ عليه الجنون، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق.

فصل

في ليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور

وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحًا، كما قيل: كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويجدون في التجار والصناع والزراع.

وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرضي وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] .

/وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم [القراء] فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم [الصوفية والفقراء] . واسم [الصوفية] هو نسبة إلى لباس الصوف؛ هذا هو الصحيح. وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء. وقيل: إلى صوفة بن أدّ بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك. وقيل: إلى أهل الصفة. وقيل: إلى الصفا. وقيل: إلى الصفوة. وقيل: إلى الصف المقدم بين يدى الله تعالى. وهذه أقوال ضعيفة؛ فإنه لوكان كذلك لقيل: صَفي أو صفائى أو صَفَوى أو صُفي، ولم يقل: صوفي.

وصار ـ أيضًا ـ اسم [الفقراء] يعنى به: أهل السلوك. وهذا عرف حادث. وقد تنازع الناس: أيما أفضل: مسمى [الصوفي] أو مسمى [الفقير] ؟ ويتنازعون ـ أيضًا ـ: أيما أفضل: الغنى الشاكر أو الفقير الصابر؟

وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء. وقد روى عن أحمد بن حنبل فيها روأيتان، والصواب في هذا كله ما قاله الله ـ تبارك وتعالى ـ حيث قال: {يَا أيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .

وفي الصحيح عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي/ صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس أفضل؟ قال: (أتقاهم) . قيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: (يوسف نبى الله ابن يعقوب نبى الله ابن إسحاق نبى الله ابن إبراهيم خليل الله) . فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: (عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت