الصفحة 23 من 349

فهنا عمم المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له، ففي أية التوبة عمم وأطلق، وفي تلك الأية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه على المشيئة ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق، أو يجوز ألا يعذب بذنب، فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورًا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة.

وقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} دليل على أنه يغفر البعض دون البعض، فبطل النفي والوقف العام.

فصل

في تفاضل الناس في الإيمان والتقوى والولاية

وإذا كان [أولياء الله عز وجل] هم المؤمنون المتقون. والناس يتفاضلون في الأيمان والتقوى، فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك. كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك.

وأصل الأيمان والتقوى: الأيمان برسل الله، وجماع ذلك: الأيمان بخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فالأيمان به يتضمن الأيمان بجميع كتاب الله ورسله، وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل، وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة؛ فإن الله تعالى: أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، قال الله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَاسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأيوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 163 ـ 165] ، وقال تعالى عن أهل النار: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 8، 9] فأخبر أنه كلما ألقى في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير. وقال تعالى في خطابه لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه؛ فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم. فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان، وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له فإنه ممن لا يتبع الشيطان ولم يكن مذنبًا، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل.

فصل

في الإيمان المجمل بالرسل

ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانًا مجملا، وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به؛ ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانًا مجملًا، فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع /إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى، له من ولاية الله بحسب أيمانه وتقواه، وما لم تقم عليه الحجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت