الصفحة 16 من 349

ولم يكن [أهل الصفة] ناسًا بأعيانهم يلازمون الصفة، بل كانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى، ويقيم الرجل بها زمانًا ثم ينتقل منها. والذين ينزلون بها من جنس سائر المسلمين؛ ليس لهم مزية في علم ولا دين، بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة ـ أي استوخموها ـ فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح ـ أي إبل لها لبن ـ وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا الراعى، واستاقوا الذود فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون. وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس، وفيه أنهم نزلوا الصفة. فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبى وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة، ثم انتقل عنها ونزلها أبو هريرة وغيره.

وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي [هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم بن زاوية بن سعيد بن قبيصة بن سراق الأزدى السلمى الحافظ المحدث، شيخ خراسان وكبير الصوفية أبو عبد الرحمن النيسابورى الصوفي صاحب التصانيف، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، صنف في علوم القوم سبعمائة جزء وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من جميع الأبواب والمشايخ، وكانت تصانيفه مقبولة، قال عنه الخطيب: غير ثقة، وكان يضع للصوفية الأحاديث. مات في شهر شعبان سنة اثنتى عشرة وأربعمائة. [سير أعلام النبلاء: 17/ 247 ــ 255] تاريخ من نزل الصفة.

وأما [الأنصار] فلم يكونوا من أهل الصفة، وكذلك أكابر المهاجرين كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن/ بن عوف وأبى عبيدة وغيرهم، لم يكونوا من أهل الصفة.

وقد روي أنه بها غلام للمغيرة بن شعبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذا واحد من السبعة) وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية، وكذا كل حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة [الأولياء] و [الأبدال] و [النقباء] و [النجباء] و [الأوتاد] و [الأقطاب] مثل أربعة أو سبعة أو اثنى عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة وثلاثة عشر، أو القطب الواحد، فليس في ذلك شىء صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينطق السلف بشىء من هذه الألفاظ إلا بلفظ [الأبدال] . وروى فيهم حديث: أنهم أربعون رجلًا وأنهم بالشام، وهو في المسند من حديث على رضى الله عنه. وهو حديث منقطع ليس بثابت، ومعلوم أن عليًا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن معه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر على، وقد أخرجا في الصحيحين عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق) وهؤلاء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة على، فقتلهم على بن أبى طالب وأصحابه، فدل هذا الحديث الصحيح على أن علي /بن أبى طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه، وكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما؟

وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنشد منشد:

قد لسعت حية الهوى كبدى ** فلا طبيب لها ولا راقى

إلا الحبيب الذى شغفت به ** فعنده رقيتى وترياقى

وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه، فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وأكذب منه ما يرويه بعضهم: (أنه مزق ثوبه، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش) ، فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أظهر الأحاديث كذبًا عليه صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت