الصفحة 12 من 349

وإن كان مواليا للرحمن تارة وللشيطان أخرى كان فيه من الإيمان وولاية اللّه بحسب ما والى فيه الرحمن، وكان فيه من عداوة اللّه والنفاق بحسب ما والى فيه الشيطان، كما قال حذيفة بن اليمان: القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك قلب الكافر ـ والأغلف: الذي يلف عليه غلاف. كما قال تعالى عن اليهود: {ٍوَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك ثلاث جمع طبع اللّه على قلبه) ـ وقلب منكوس فذلك قلب المنافق. وقلب فيه مادتان: مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق، فأيهما غلب كان الحكم له. وقد روى هذا في [مسند الإمام أحمد] مرفوعًا.

وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) .

فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن القلب يكون فيه شعبة نفاق، وشعبة إيمان، فإذا كان فيه شعبة نفاق كان فيه شعبة من ولايته وشعبة من عداوته؛ ولهذا يكون بعض هؤلاء يجري على يديه خوارق من جهة إيمانه باللّه وتقواه تكون من كرامات الأولياء، وخوارق من جهة نفاقه وعداوته تكون من أحوال الشياطين؛ ولهذا أمرنا اللّه تعالى: أن نقول كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] .

و (المغضوب عليهم) هم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، و (الضالون) الذين يعبدون اللّه بغير علم. فمن اتبع هواه وذوقه ووجده، مع علمه أنه مخالف للكتاب والسنة، فهو من (المغضوب عليهم) وإن كان لا يعلم ذلك فهو من (الضالين) .

نسأل اللّه أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

والحمد للّه رب العالمين. والعاقبة للمتقين. وصلى اللّه على محمد.

الفُرْقَان بين أولياء الله وأولياء الشيطان

لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدًا. أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميًا وآذانًا صما، وقلوبًا غلفًا، وفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والمؤمنين / والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، وبين أولياء الله وأعداء الله، فمن شهد له محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن، ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أولياء الشيطان.

وقد بين ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لله أولياء من الناس، وللشيطان أولياء، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. فقال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت