ثم يحظون عنده بالرتب العالية والتقارير الكاذبة،لقد تعلم المدير وأعوانه بفطرةٍ مدنسة أن الدائرة التي لا تنجز مصالح الناس ومياه أعمالها دائمًا جارية نقية يُرى باطنها من ظاهرها إنها إدارة لا تحقق المصالح الشخصية فلا بد من العمل بحرية من توفير مستنقعات آسنة متعكرة من مصالح الناس المتعطلة تسهل فيها حركة اللصوص ويسهل فيها اللعب على المغفلين فلذلك جعلوا هذه الدائرة في فوضى دائمة ثم حجبوا الناس عن سعادته حتى يوفروا هذه المستنقعات التي تعيش فيها الحشرات القذرة التي تحسن السمسرة في شراء الذمم وبيعها وهكذا حزن الاثنين معًا تعطيل مصالح الناس وأكل المال الحرام الذي يبذله الناس لإنجاز مصالحهم لعله أن يقف متأملًا في غمرة المراجعين بكفنه البالي المغبر فيقول:لو كان عندي القليل من التقوى والقليل من معرفة حال الدنيا وحال الآخرة لرأيت أن في النصح للناس أعظم الأجر والمثوبة،ماذا بقي معي في قبري من بريق المال الذي كنت أبذره بلا عد ولا حساب وأتمتع به بلا خوف من حشر وعذاب وماذا بقي معي من ضجيج الشرف وجلبة الأعوان وكثرة العلاقات والاتصالات وما أراه في عيون الناس من تعظيم وتبجيل،لقد تلاشى ذلك كله كبخار في يوم صائف فلم أدخل في هذا القبر من مالي وشرفي إلا بكفن،لله كم كنت مغرورًا بهذه الدنيا حينئذ فقط أدركت معنى قوله-صلى الله عليه وسلم- (( ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) )لقد كنت أرى ذلك كلّه ولكن نفسي كانت تزيّل لي ما أفعله وكانت شدة الإبهار في أنوار الدنيا تحجب عني رؤية الحقيقة فلم أتبينها إلا حين فات وقت الندم وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ