وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سئل في ذلك قال: [أفلا أكون عبدًا شكورًا] فمن عرف حق الله على عباده، وعرف أن حقه يعظم كلما عظمت نعمته على العبد وعلم أن حق الله سبحانه على عبده أن يذكره فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره، وأن يطيعه فلا يعصاه، وأن يخافه ويتقيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه ..
علم العبد عند ذلك ماذا تعني المعصية والذنب؟
11 -المؤاخذة بالمعصية:
كل من عصى الله سبحانه وتعالى فهو تحت المؤاخذة إلا أن يغفر الله ذنبه، والمؤمن قد يؤاخذ بمعصيته في الدنيا، ويحصل له من البلاء ما يطهر ذنبه، ويعلي درجته، وقد يؤاخذ الله بعض أنبيائه في الدنيا بسبب معصية صغيرة تقع منهم ومن ذلك.
أ- آدم عليه السلام ومعصيته للأمر الإلهي:
فآدم عليه السلام الذي لم تكن معصيته إلا أنه خالف الأمر الإلهي بأكله من شجرة نهاه أن يأكل منها، ومعصية آدم بالأكل من الشجرة فإنها -والله تعالى أعلم- لم تكن فاحشة في ذاتها ولا إثمًا لولًا المعصية. فقد أباح الله لآدم الأكل من كل أشجار الجنة، فليس الأكل من هذه الشجرة مذهبًا للعقل، ولا ضارًا في النفس أو البدن، ولا تعديًا على حق مخلوق، ونحو ذلك مما هو من تعليل الإثم. وإنما كانت معصية آدم فيما أخبرنا الله به -والله تعالى أعلم- في أنه أطاع الشيطان الذي حذره الله من طاعته، وأنه عصى الله فيما أمره به. قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما، وقال تعالى: وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} (الأعراف:22)
ومع ذلك كان من آثار هذه المعصية آلامًا طويلة في الدنيا منها: خروج آدم وزوجه من الجنة، وتعرضه هو وذريته لما يتعرضون له من البلاء في هذا الدار .. وإلى يوم القيامة!!
ب- نوح عيه السلام ووعظ الله له:
وهذا نبي الله نوح عليه السلام سماه عبدًا شكورًا، وكان من أولي العزم من الرسل، وقد قام في عبادة الله سبحانه وتعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا يتحمل في أثنائها الكرب الطويل والأذى البالغ. قال تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} (الصافات:75 - 76)