دليلين أولى من تخصيص عموم ثلاثة أدلة، وهكذا. ولأنَّ الأمر بالفاتحة مشدَّدٌ فيه بأنه لا صلاة إلاَّ بها، ونحو ذلك، والأمر بالإنصات غير مشدَّدٍ فيه للاتفاق أنه لو لم ينصت لم تبطل صلاته.
لا يقال: إنَّ لعموم الكلام المنهي عنه بالإنصات مرجحًا أيضًا؛ وهو أنه لم يخصَّص قبل هذا.
فإننا نقول: بل قد خُصَّص بحديث"الصحيحين" [1] :"من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبِّح"، وأحاديث الفتح على الإمام.
مع أنَّنا نختار ما اختاره البخاري وجماعة من الشافعية أنَّ المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة لا يدرك الركعة وإن أدرك الإِمام راكعًا [2] . وعلى هذا فتكون أحاديث إيجاب الفاتحة غير مخصَّصة إلاَّ بما هو في قوة الاستثناء المتصل كما قدَّمنا ذلك، وذلك لا يضر.
وهذا الكلام بعينه يجيء في تخصيص آية الإنصات؛ على تسليم أنَّ الانصات فيها على حقيقته، وأنها في أمر المأمومين بالإنصات للإمام، والله أعلم.
[ص 63] وأما حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقرآن؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إني"
(1) البخاري (684، 1234) ومسلم (421) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(2) للمؤلف في هذا الموضوع رسالة ضمن هذه المجموعة.