وسعه ويعذَّب بما لم يقع فيه تقصيرٌ من قِبَله" [1] ."
وحكى عياضٌ في الشفاء نحوه عن داود إمام أهل الظاهر وثمامة [2] ، قال:"وقد نحا الغزاليُّ قريبًا من هذا المنحى في كتاب التفرقة [3] ، وقائل هذا كلِّه كافرٌ بالإجماع على كفر من لم يكِّفر أحدًا من النصارى واليهود وكلَّ مَن فارق دين المسلمين أو وقف أو شكَّ" [4] .
قال عبد الرحمن: في نظم عبارة عياضٍ ما فيه على أنه لم يحك عن العنبري ولا عن أحد ممن ذكر معه أنه لا يُكَفِّر أحدًا ممن لم يلتزم الإِسلام من النصارى وغيرهم، بل ولا أنه إنما يكفر بعضهم دون بعض، ولا أنه يقول بعذرهم جميعًا. وأما القول بعذر بعضهم [5] فهو في الجملة حق، والعذر لا يستلزم عدم الكفر كما أن الكفر لا يستلزم عدم العذر، ألا ترانا نقول بعذر صبيان الكفار ومجانينهم مع قولنا بكفرهم، وحُكْمِنا عليهم حُكْمَ الكفار في
(1) المواقف: موقف 6، مرصد 2، مقصد 6، مبحث 8. 2/ 308 [المؤلف]
(2) هو ثمامة بن أشرس النميري أحد معتزلة البصرة, كان له اتصال بالمأمون، وتنسب إليه الثمامية من المعتزلة، هلك سنة 213 هـ. انظر: تاريخ بغداد 7/ 147، الأعلام 2/ 100.
(3) فيصل التفرقة 87.
(4) الشفاء، في أواخره، فصلٌ في تحقيق القول في إكفار المتأوِّلين [2/ 280 - 281] . [المؤلف] .
(5) كالذين لم يسمعوا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فهم كفَّارٌ، ولكن لا يعذَّب إلا مَن بلغته بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم لم يؤمن به، فالمقصود بعذرهم عدم التعذيب في الآخرة لا نفي الكفر عنهم كما سيبيِّنه المؤلِّف بعد قليلِ. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: (والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرةٌ تردُّ على مَن قال من أهل التحسين والتقبيح: إن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم) مجموع الفتاوى 8/ 435.