الكواف العظمى أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - تحدَّاهم بالقرآن، وبأقل جزءٍ منه، فوجموا وأحجموا وخرسوا عن ذلك، واعترفوا بعجزهم، وقال داهيتهم الوليد بن المغيرة لمَّا سمع آيات منه:"والله لقد سمعتُ من محمَّد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا هو من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه [لمثمر وإنَّ] أسفله لمغدق، وإنَّه يعلو ولا يُعْلَى عليه" [1] .
حتى آل بهم الأمر إلى القتال.
وبعدُ، فوجوه إعجاز القرآن كثيرة، ليست البلاغة فقط؛ فإنَّ فيه الإخبار بالغيب، كالإخبار عن غلب الروم، وأنَّهم بعد غَلَبِهم سيغلبون في بضع سنين [2] ، والإخبار عن أهل الكتاب أنَّهم لا يتمنَّون الموت [3] ، والوعد
(1) أخرجه الحاكم في"المستدرك" (2/ 507) ومن طريقه البيهقي في"الشُعب" (1/ 157) وغيرِه, عن عكرمة عن ابن عباسٍ رضي الله عنه بنحوه.
قال الحاكم:"صحيح الإسناد على شرط البخاري". وقال العراقي في"المغني عن حمل الأسفار" (1/ 223) :"بسند جيد".
(2) يعني: قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 2 - 4] .
(3) يعني: قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:94 - 95] ، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [الجمعة: 6 - 7] .