الموت مخلوق عجيب، شجاع يتسلق الجدران، ويصعد الحيطان، لا يُحتمى منه بقلاع، ولا يُمتنع منه بحصون،"أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"، زائر لا يستأذن، وليس له وقت معلوم، يدلف في السحر، ويقدم في الظهيرة، لا يرجئ الجائع حتى يشبع، ولا الظامئ حتى يروى، ولا النائم حتى يستيقظ، ولا المسافر حتى يقيم،"فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ"يصيّر الأفراح أتراحًا، والأنس حزنًا، إذا اجتمع الوالد بولده وأنست الأم بأبنائها وطاب اللقاء وحصل الوصال إذا بالموت يدخل فجاءة! فيأخذ الأب، ويلتقم الأم، ويحمل الابن ليضعه في حفرة الموت، يأخذ الطفل وفمه في ثدي أمه، تصيح الأم، ينوح الأب، فلا يقف ولا يرجع، يحوز المرء المال فيفرح بتجارته، ويعدد ماله، ظن أن ماله أخلده، فإذا بالموت يضع خده على التراب، وينثر دنانيره، ويمزق أكياسه. إذا استوى الشاب على سوقه، وصلب عوده، وقوي متنه، واهتزت كتفاه، وترنح عطفاه، طرحه الموت أرضًا، هذا هو الموت لا يستحي، ولا من أحد يرعوي،"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"، احتمى الملوك بالجنود فنجو إلا من الموت،"حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ"، يموت الكل إلا واحد، ويذهب الجميع إلا واحد، نعم، إنه الواحد الأحد أوجد الفناء، ليرث أهل الأرض والسماء، ولا يخلق الموت إلا عظيم ولا عظيم حق إلا العظيم سبحانه،"كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
عظمة لا إله إلا الله: