الصفحة 31 من 95

قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة) [1] . ثم ذكر بعد ذلك القسم الثاني الذي لا يجوز مخالفته و اعتبر ذلك كفرًا و مروقًا من الدين فراجعه.

و قال الدكتور محمد نعيم ياسين: ( ... ولكن لا يكفر من سن قانونًا ينظم فيه السير مثلًا أو نحوه مما لم يتعرض له الشارع بالذكر و لا يكفر من سن قانونًا ينظم فيه الأسعار و لا يقال أن التسعيرة حرام لأن بعض العلماء لا يجيزه، ذلك أنه أمر اجتهادي و قد قال به بعض الفقهاء) [2] .

تنبيه

لا بد ها هنا من ذكر قاعدة جليلة عند أهل السنة و الجماعة و هي التفريق بين الكفر المطلق و تكفير المعين و نذكر هذه القاعدة كي لا نترك للمغرضين فرصة في رمينا بعقيدة نحن منها براء كعقيدة الخوارج مثلًا، و أنت تطالع موضوعنا هذا قد تجد بعض الإطلاقات، فإياك أن تظن أننا نكفر كل من وقع في الكفر فهذا ليس من منهجنا. فنحن عندما نقول من فعل كذا فقد كفر لا نقصد بذلك تكفير المعين نفسه إنما نريد تنزيل الحكم بالكفر على السبب، أما تكفير المعين فهو تنزيل حكم التكفير على الشخص المعين، الذي قال أو فعل السبب المكفر، فلا بد فيه إضافة إلى النظر في تجريم الفعل كما في التكفير المطلق أن ينظر في حال الفاعل أو القائل من حيث ثبوت الفعل عليه و انتفاء موانع التكفير في حقه، أي استفاء الشروط و انتفاء الموانع [3] .

فالخوارج لما كفَّروا مرتكبي الكبائر كالزنا و شرب الخمر والتبرج إلى غير ذلك من المعاصي بنوا معتقدهم هذا على قاعدة أن كل من عصى الله فقد حكم بغير ما أنزل الله، و معتقدنا معتقد أهل السنة و الجماعة عدم تكفير من جار وظلم الناس و حرمهم حقوقهم ما لم يؤد به ذلك إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال أو تغيير شيء مما أنزل الله وإلزام الناس بالتحاكم إليه و سجن وقتل و تعذيب من دعى إلى تحكيم كتابه و سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

و كي لا نلحق ظلمًا و زورًا بمن أخذ ببعض أصول الخوارج ودخلت عليه بعض شبههم نؤكد على أن معتقدنا هو معتقد أهل السنة و الجماعة الذي ألبسه (المجلس العلمي) لباس الخوارج و المتشددين. فنحن و لله الحمد و المنة لسنا ممن يكفِّر عموم المسلمين إذا صال عليهم عدو غاشم أو خطف لهم ولد أو هتك لهم عرض أو اعتدى على أنفسهم وأموالهم ثم أكرهوا اضطرارًا للجوء إلى المحاكم التي تحكم بغير ما أنزل الله في غياب المحاكم الشرعية، أما من تيسر له التوصل إلى حكم الله وأمكن له فض النزاع بالتحاكم إلى شرع الله تعالى فأبى و امتنع و عدل عنه مختارًا يخالف حكم الله تعالى فهذا وقع في الكفر، لكن لا نكفره حتى ننظر في حاله أتحققت في حقه الشروط و انتفت الموانع.

مراتب التحاكم

1_ الاستنصار:

إن كل من لجأ من المسلمين إلى كافر يحميه، أو يجيره أو يرد مظلمته و ينصره من كافر آخر، أو يدفع صائلًا فاجرًا لا يردعه و لا يرهبه إلا ذلك، مع عدم وجود سلطان الله الممكَّن، فلا يعتبر فعله هذا تحاكمًا إلى الطاغوت، و ذلك لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مدح حلف الفضول مع أنه كان حلفًا جاهليًا، و قد شهده النبي - صلى الله عليه وسلم - و هو غلام وقال: «فما أحب أن لي حمر النعم و أني انكثه» و في رواية: «لو دعيت به في الإسلام لأجبت» . و قد كانت صورته بأنه تجمع عشائري في الجاهلية تعاقد على إغاثة الملهوف و نصرة المظلوم و رد الحقوق إلى أهلها بقوتهم و شوكة تجمعهم، و كان ذلك في وقت لم يكن فيه للإسلام سلطان و لا دولة، و قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - و في جاهلية جهلاء، و ما دام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدح هذا الحلف فلا حرج على

(1) أضواء البيان

(2) كتاب الإيمان

(3) انظر موضوع التكفير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت