""""""صفحة رقم 40""""""
ومثله ما حكي أن بعض الفقراء وقف على باب نحوي فقرعه فقال النحوي من بالباب فقال سائل فقال ينصرف فقال اسمي أحمد فقال النحوي لغلامه أعط سيبويه كسرة .
ومثله قول ابن عنين:
شكا ابن المؤبد من عزله . . . وذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له:
لا تذم الزمان . . . فتظلم أيامه المنصفه
ولا تعجبن إذا ما صرفت . . . فلا عدل فيك ولا معرفه
وألطف منه قول القائل:
ورقيعٍ أراد أن يعرف النحو . . . بزي العيار لا المستفتي
قال لي لست تعرف النحو مثلي . . . قلت سلني عنه أجب في الوقت
قال ما المبتدا وما الخبر المجرور . . . أوجز فقلت ذقنك في استي
وأحسن منه وأبدع قول الشيخ زين الدين بن الوردي:
وشادنٍ يسالني . . . ما المبتدا والخبر
مثلهما لي مسرعًا . . . فقلت أنت القمر
ومن النكت المسبوكة في قالب التورية أيضا ما قيل أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليه سعد الدين الحكيم فقال الملك الأشرف ما تقول في سعد الدين الحكيم لشهاب الدين فقال يا مولانا السلطان إذا كان بين يديك فهو سعد الدين ، وعلى السماط سعد بلع ، وفي الخباء عن الضيوف سعد الأخبية ، وعند مرض المسلمين سعد الذابح قال فضحك الملك الأشرف واستسحن اتفاقه البديعي وابدع منه في هذا الباب ما نقل عن الشيخ نظام الدين قيس إنه لقي الصاحب عز الدين عبد العزيز بن منصور فسأله الصاحب عن حاله فقال: حالٌ متى علم ابنُ منصورٍ بها . . . جاء الزمان إليّ منها تائبا
قلت إن نظام الدين أحق من أبي الطيب بهذا البيت ومن النكت بالتورية أيضًا قيل إن بعض الماجنات أرادت السفر فلقيها بعض المجان فقال لها خذي معك هذا الكتاب وأشار إلى ذكره فقالت له على الفور إن لم ألق أمك أعطه أختك ومثل ذلك أن الشيخ بدر الدين بن الصاحب لقي شخصًا ومعه مليحان فقال ما اسمك فقال عبد الواحد فقال أخرج منهما فأنا عبد الاثنين . ومثله أن ابن نقيلة المغني مرض وأشرف على الموت فجاء إليه ابن الصاحب يعوده فقال له كيف حال النقيلية فقال ما أخوفني أن تصير مدفونة مثله أن بعض المجان رأى امرأة حاملة سرموجة فقال له متى زوجك حملك تركاشه فقالت له رح لأرميك منه بفردة ومثله أن بعضهم رأى امرأة حاملة فردة سقمان لتخيطه فقال لها: أعتقي هذا الغراب . فقالت له رح لأسيبه ينقرك . ومثله أن الشيخ بد الدين المذكور أولا حضر إلى مجلس قاضي القضاة ناصر الدين المالكي فذكروا محاسن القاضي محب الدين ناظر الجيشين وحسن أخلاقه ثم ذكروا محاسن الشعر فأنشده قاضي القضاة:
فكم أبٍ قد علا بابنٍ ذوي شرفٍ . . . كما علت برسول الله عدنان
فكل من الجماعة أثنى على هذا البيت فقال الشيخ بد الدين ابن الصاحب والقاضي محب الدين يحب هذا البيت فطربوا له . ومما وقع له بذلك المجلس أنه لما قدم المشروب على العادة كان قد تولى السقيا مملوك له اسمه بكتمر فلما شرب الشيخ بدر الدين قال له قاضي القضاة ما تقول يا شيخ قال رأيت ملك العلماء بكتمر الساقي ومثله أن الصاحب بن سكر أراد قارئا يقرأ بالمدرسة التي أنشأها بالقاهرة فاختاروا له رجلين أحدهما اسمه زيادة والآخر مرتضى فوقع في ظهر القصة مرتضى زيادة وزيادة مرتضى . ومثله أن أبا الحسين الخراز جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس في الدخول ولم يأذن له فكتب في ورقة:
الناس كلهم كالأير قد دخلوا . . . والعبد مثل الخصي ملقى على الباب
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه أخرج إلى الباب وقل يا خصي أدخل فدخل أبو الحسين وهو يقول هذا دليل على السعة ومن التنكيت والحشمة بالتورية أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال أخبرني الشيخ فتح الدين بن سيد الناس بالقاهرة قال قلت للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أن بهاء الدين بن النحاس يرجح أبا تمام على المتنبي فما رأيك أنت فسكت فقلت ثانيا فقال كنت كذا في الأول قال الشيخ صلاح الدين ولما حكيت للشيخ جمال الدين بن نباتة قال أنا على رأي ابن دقيق العيد قال الشيخ صلاح الدين وممن رأيته يعظم أبا تمام شيخنا أثير الدين ويرجحه على المتنبي فعذلناه في ذلك فقال أنا ما أسمع عذلا في حبيب .
ونقلت من خط الصاحب فخر الدين ابن الكانس رحمه الله قال سافرت سنة إحدى وستين وسبعمائة مع الصاحب فخر الدين ابن قزوينية إلى دمشق المحروسة وقد ولي نظر مملكتها ووالدي رحمه الله افتاءها وكان له دوادار يسمى صبيحًا وهو من عتقاء جده الوزير أمين الدين بن الغنام وكان لطيفا كثير النوادر فاتفق أن جمال الدين بن الرهاوي موقع دست الوزارة ركب يوما فتقنطر به الفرس وداس على رأس أحليله فحمل إلى داره وأقام أياما إلى أن عوفي وحضر مجلس الوزارة وهو غاص بالناس فقال الصاحب ما سبب تأخرك فقال تقنطر بي الفرس وداس رأس احليلي فكدت أموت والآن فقد لطف الله تعالى وحصل البرء والشفاء فقال له صبيح: الحمد لله على سلامة الخصي فانقلب المجلس ضحكا وخجل ابن الرهاوي وانصرف . وحكي أن بعض الرؤساء كان له خادم وعبد فدخل يوما فوجد العبد فوق الخادم فضربه وخرج فرأى بعض أصدقائه فساله عن غيظه فقال هذا العبد النحس فعل بالخويدم الصغير فقال بل مولانا السيد الكبير فخجل منه وأبرزها في قالب المجون .
وأنشد ابن الجوزي في بعض مجالس وعظه:
أصبحت ألطف من مر النسيم على . . . زهر الرياض يكادُ الوهم يؤلمني
من كل معنىً لطيفٍ أجتلي قدحًا . . . وكل ناطقةٍ في الكون تطربني
فقام إليه إنسان فقال يا سيدي الناطق حمارٌ فقال أقول له يا حمار اسكت