المقدمة:
حمدًا كريمًا لمن تفرد بالعظمة والكبرياء، وحمدًا متواصلًا لمن بيده مقادير كل شيء، حمدًا له من كل قلب مؤمن، ومن كل نفس مخبتة، حمدًا له على الإيمان، وحمدًا له على الإسلام، وحمدًا له على القرآن، حمدًا له على كل نعمة، وحمدًا له في السراء والضراء، وحمدًا له على كل حال.
نشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اصطفاه على خلقه بأكرم رسالة، وأعظم نبوة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
أما بعد: فإنه حينما تنجو سفينةُ المرءِ من بحر المعاصي المهلك، فترسو على ساحل الإيمان الآمن، يكون حينها عرضةً لحبائل الشيطان المغرضة، وشباكه المعقدة، وأنيابه المفترسة، وما ذاك إلا لأنه غرضٌ كم تمنى الشيطان أن يصيبه بسهمه المسموم، ليرديه قتيل الضعف الممقوت، والانتكاسة المهينة.
ولكن ما أهون هذا الشيطان، وما أقل حيلته، وما أضعف كيده، إذا واجهه المؤمن بسلاح الإيمان المضاء، ونوره الوضاء؛ فراجع أسباب ضعف إيمانه، ونظر في علل فتوره وتقصيره، واتخذ من أسباب الثبات على دينه ما ينصره على الشيطان في هذا الصراع العنيف.
والفتور _ أيها القارئ الكريم _ مرض يتسم بالتسلل الخفي حينما يريد أن يدس داءه في قلب المسلم أو عقله، كما أنه لا يأتي بغتة، بل إن نَفَس الشيطانِ فيه طويل، وكيده في الإصابة به متنوع، حتى يقتنع صاحبه أنه فيه على حق، وأنه كان على خطأ أو تطرف.
ولقد تنوعت في هذا الزمان وسائل الفتور، وتعددت صوره، واتخذ همه محلًا في صدر المصاب به، ربما بمعرفته له، أو بمعاينته لآثاره عليه، مع أن هذا الداء قد يتقمص في نفس المصاب به شخصية أخرى، وهي الكآبة أحيانًا، أو الحيرة، أو الخوف، أو الانطواء أو نحو لك.