أصدق وصف ينطبق عليهم، فهم إنما يتبعون أهوائهم. ولكن سوف نسميهم بما اشتهروا به حتى يحصل التفريق بين مراحل هذا التيار ورجال كل مرحلة وإلا فجميعهم أهل أهواء.
ولقد وقع اختيارنا على فرقة المعتزلة، وتيار المدرسة العقلية الحديثة، وتيار العصرانيين دون غيرها لأسباب:
أولًا: مخالفتهم الصريحة للثوابت والمسلمات.
ثانيًا: عظم فتنتهم وتأثيرهم البالغ في الناس.
ثالثًا: اتفاقهم في كثير من الأصول؛ بل إنك تكاد تجزم أنها ذرية بعضها من بعض، لما ترى من التوافق الكبير بينها.
وفي بحثنا هذا سنتطرق إلى المخالفات التي سلكها الفكر العقلاني قديمًا وحديثًا ونبين أوجه الترابط بينها، مع ذكر نموذجًا أو أكثر لبيان الاتجاه العام لهذه الحركات دون الدخول في تفاصيل كل شخصية من شخصيات الفكر العقلاني، فكلامنا عن المنهج العام لهذا الفكر وعن النتائج المترتبة على اعتناق هذه الأصول والأفكار، دون إلزام كل شخصية بما نسوقه من نماذج تعبر عن الاتجاه العام للفكر العقلاني.
ولا يمنعنا ذكر الاتجاه العام لهذه المدارس من بيان رموز هذا الاتجاه قديمًا وحديثًا، ولا ينبغي أن يشنع علينا مشنع إن ذكرنا شيئًا من كلامهم المخالف للحق، والمخالف لنهج السلف. يقول محمد محمد حسين -رحمه الله-: (نحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ، وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد، حتى إن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إمامًا من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه، في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون، فيقبلون أن يوصف سيف الإسلام خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن نويرة في حرب الردة طمعًا في زوجته، ويرددون ما شاع حول ذلك من أكاذيب، ويقبلون أن يلطخ تاريخ ذي النورين عثمان بن عفان بما ألصقه به ابن سبأ اليهودي من تهم، ويقبلون ما يروي الأصبهاني في كتاب الأغاني في سُكينة بنت سيد شباب أهل الجنة- الحسين- من أخبار اللهو والمجون، ويرددون ما يذاع من أخبار هارون الرشيد الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا، ثم أصبح في أوهام أبناء هذا الجيل رمزًا للخلاعة والترف، بل كاد يصبح رمزًا للإسراف في طلب الشهوات، وصورة من أبطال ألف ليلة وليلة ... يقبلون ذلك كله ثم يرفضون أن يمس أحد أصنامهم بما هو أيسر منه، ويحتمون بحرية الرأي في كل ما يخالفون به إجماع المسلمين، ويأبون على مخالفيهم في الرأي هذه الحرية، يخطئون كبار المجتهدين من أئمة المسلمين ويجرحونهم بالظنون والأوهام ويثورون لتخطئة ساداتهم أو تجريحهم بالحقائق الدامغة) [الإسلام والحضارة الغربية: ص 49 - 50] .