فالمؤمن يأمر بالمعروف وإذا رأى منكرا نهى عنه أو قوّمه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (52) . ومن رأى منكرا فرضي به كان كمن شارك في فعله، ومن حضر المنكر فغيره بيده أو بلسانه فله أجر الداعي في سبيل الله ويثاب على قدر نيته، فإن لم يستطع إنكاره إلاّ بقلبه كان كمن غاب عن ذلك المنكر فلا إثم عليه. لكن مجالسة أهل المنكر ومخالطتهم وعدم الإنكار العلني عليهم تورث قساوة في القلب بحيث يعتاد المرء على المنكر حتى يكاد يظن أنه أمر هين، وذلك ما دخل على بني إسرائيل.
كما أن من الدعوة في سبيل الله نصح ولاة الأمر أهل السلطان، فإن كان بينهم ظالما فعلى الأمة أن تأخذ على يده وتنكر فعله وتجبره على العدول عن الظلم، وهو ما قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ولتُأطرُنّهُ على الحق أطرا " (فذلك فرض كفاية على الأمة) إن قام به البعض قدر ما فيه الكفاية، سقط عن الباقين. أما إذا لم يقم به أحد، أثم الجميع. وهذا هو مقياس إستقامة الأمة أو مدى بعدها عن جادة الحق، فإن كانت كذلك إستحقت أن لا يستجيب الله دعاء صالحيها، وأن يعمّها الله بعذاب من عنده، وما ذلك إلاّ بما قدمت أيديها.
ـ 43 ـ التفكر في خلق الله
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال بتّ عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: " إنّ في خَلقِ السَماواتِ والأرضِ واختلافِ اللّيلِ والنّهارِ لآيات لأولي الألباب ... " إلى آخر سورة آل عمران، ثم قام فتوضأ واستنّ فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح.
(رواه البخاري)
التفكر في خلق الله تعالى عبادة. وهذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنظره إلى السماء وتلاوته هذه الآيات من آخر سورة آل عمران. سُئلت أم الدرداء (53) : أي عبادة أبي الدرداء أكثر؟ قالت: التفكر والإعتبار. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الفكرة في نعم الله عزوجل من أفضل العبادة. وقال إبن عباس رضي الله عنهما: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه.
زار الإمام الشافعي ألإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما وكان الإمام أحمد كثيرا ما يذكر الشافعي بخير بحضور إبنته، فقررت مراقبته حين يبيت في بيتهم لتعرف شيئا عن عبادته، فرأته أوى إلى فراشه بعد صلاة العشاء ومكث كذلك حتى نودي لصلاة الفجر فقام وصلى دون أن يتوضأ، فأخبرت أباها بذلك، فسأله كيف كانت ليلتك فقال خيرا والحمد لله، تفكرت في سبعين مسألة من العلم فيها خير للمسلمين. وكان رضي الله عنه يقول: إستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الإستنباط بالفكر.
إن إتساع علم الإنسان اليوم يضع على عاتق المسلم واجبا بأن يزيد من تفكره في عجائب خلق الله ليزداد معرفة ويقينا. إن العلم المأثور من قرآن وسنة وآثار من سار على نهجهما، يؤخذ من الكتب أو السلف الصالح. أما التفكر فيزيد الإيمان رسوخا ويدخل الإطمئنان للقلب ويزيد العلم فوق المأثور. قال تعالى: " الّذينَ يَذكُرونَ اللّهَ قياما وقعودا وعلى جنوبِهِم ويَتَفَكَّرون في خَلقِ السَماواتِ والأرضِ، رَبَّنا ما خَلَقتَ هذا باطلا سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار " (54) . وهكذا يقع على عاتق مفكري هذه الأمة وحكمائها وعقلائها واجب التفكر في مصالح الأمة وعرض نتائج أفكارهم بطريقة يمكن الإستفادة منها إستفادة قصوى. فإن هموم الأمة ومصائبها لا تعالجها إلاّ عقول متفتحة تستمد نورها من تقوى الله، وتفتح بصيرتها على ما حصلت عليه الأمم الأخرى من علوم. فالبحث العلمي المستند إلى هذين الأساسين والذي يهدف خير الأمة في آخرتها ودنياها هو عبادة لأنه إعمال للفكر وشكر